في تقاسُم للأدوار يعكس توازنًا لبنانيًّا دقيقًا، يتولّى رئيس الجمهورية جوزيف عون التعامل مع الجانب الأميركي، فيما حلّ رئيس الحكومة نواف سلام ضيفًا على قصر الإليزيه. زيارة قد تبدو بروتوكولية في ظاهرها، غير أنّها تكشف سعيًا فرنسيًّا حثيثًا للبقاء على خريطة الحلّ، في لحظة تتّسع فيها رقعة النفوذ الأميركي، وتضيق هوامش الدور الأوروبي.
ملفّات ثقيلة على الطاولة
تصدّر ملفّ المرحلة الثانية من خطّة نزع سلاح "حزب الله" جدول أعمال اللقاء بين ماكرون وسلام، إلى جانب متابعة اتفاق وقف إطلاق النار. ويأتي هذا النقاش في سياق أوسع بعد البيان الدولي المشترك الذي وقّعته 16 دولة مطلع الشهر، ودعا إلى فتح خطّ "بيروت – تل أبيب" وحظر النشاط العسكري لحزب الله.
في المؤتمر الصحفي المشترك، شدّد سلام على أنّه "لا يمكن لدولة ذات سيادة أن توجد بدون احتكار الأسلحة"، مؤكّدًا في تصريحات أخرى أنّ لبنان "لا يخشى حزب الله ولا يسعى لمواجهة معه". كما كشف أنّ لبنان بحاجة إلى نحو 500 مليون يورو لمعالجة التداعيات الإنسانية للحرب الأخيرة.
في المقابل، جدّد ماكرون دعم فرنسا الكامل للجيش اللبناني، واصفًا إيّاه بـركيزة السيادة الوطنية واستقرار البلاد، ودعا إسرائيل إلى "التخلّي عن أطماعها" في الجنوب اللبناني، متعهّدًا بمواكبة المفاوضات المقبلة مع تل أبيب برعاية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وفي هذا الإطار، أكّدت مصادر مقرّبة من الطرفَين أنّ ما جرى تناوله في اللقاء الثنائي وجهًا لوجه هو نفسه ما طُرح لاحقًا أمام الإعلام، من دون أيّ إضافات أو ملفّات مخفيّة، لافتةً إلى أنّ المؤتمر الصحفي ربما استغرق وقتًا أطول من اللقاء الثنائي نفسه، قبل أن ينضمّ إليهما لاحقًا عدد من المستشارين والسفراء.
فرنسا أُخرجت من المشهد اللبناني
للإضاءة على كواليس هذه الزيارة وتوقيتها، كانت لمنصة "المشهد" مقابلة مع المحلّل السياسي تمام نور الدين، الذي اعتبر أنّ فرنسا تحاول لعب دور في الملفّ اللبناني، إلّا أنّها لا تستطيع، إذ عمد الأميركيّون إلى إخراجها من المشهد. ولفت في هذا السياق إلى أنّ السفير الفرنسي في بيروت هيرفيه ماغرو نقل هذا الأمر مباشرةً إلى الرئيس جوزيف عون حين سأله: "لماذا لا تطالبون، كحكومة لبنانية، بأن نكون إلى جانبكم؟"، فكان الجواب أنّ الأميركيّين لا يقبلون بذلك، وأنّ هذا الموقف ثابت لا يتزحزح.
وأشار نور الدين إلى أنّ الدور الفرنسي بات "أقلّ بكثير"، حتى أنّ الحضور الفرنسي في المؤتمر الصحفي ليس بالضرورة أن يكون مؤشّرًا على الحضور في طاولة المفاوضات، مؤكّدًا أنّ الفرنسيين أنفسهم يدركون أنّهم لن يكونوا حاضرين حول تلك الطاولة.
ورأى نور الدين أنّ زيارة سلام تتمحور حول شقَّين:
- الأوّل، تثبيت توازن دبلوماسي بين رئاسة الجمهورية المعنيّة بالملفّ الأميركي ورئاسة الحكومة المعنيّة بالملفّ الفرنسي.
- الثاني، الحصول على دعم فرنسي، وهو دعم شدّد على أنّه "للأسف لا يُصرَف اليوم" للأسباب المتّصلة بإخراج فرنسا من المشهد، إذ "أُخرجت فرنسا بإخراج اليونيفيل، وجرى إقصاؤها من المفاوضات، فيما باتت الورقة بيد الأميركيّين وحدهم دون وسيط".
وحول الدور الذي ستؤدّيه فرنسا في لبنان، خصوصا بعد تصريح ماكرون بأنّ المنطقة العازلة التي أقامتها إسرائيل مؤقّتة، اعتبر نور الدين أنّ السؤال الحقيقي هو إلى أيّ حدٍّ ستكون هذه المنطقة فعلًا مؤقّتة. وأبدى أمله في ألّا يتحوّل "المؤقّت" إلى دائم، مشيرًا إلى أنّ فرنسا لا تملك الأدوات الكافية لردع إسرائيل، حتى لو أبلغتها بأنّ المنطقة مؤقّتة. وشدّد على أنّه حين يطول المؤقّت يصير دائمًا، مستحضرًا تجربة الحزام الأمني، ومذكّرًا بأنّ الإسرائيليين دخلوا لبنان عام 1978، واحتلّوا بيروت عام 1982، وأقاموا حزامًا أمنيًّا استمرّ حتى عام 2000.
وفي ما خصّ مصير مؤتمر دعم الجيش، أفاد بأنّ ماكرون أبلغ سلام بأنّ المؤتمر سيُعقد حين يرى الفرنسيون أنّ التوقيت مناسب. ولفت إلى أنّ التوقيت كان في السابق بيد الفرنسيين والسعوديين، أمّا اليوم فلا أحد يعرف إلى أيّ حدٍّ خرج هذا التوقيت من أيديهم، مرجّحًا "تأجيل الرهان على فرنسا قليلًا". وفي ما خصّ احتمال مشاركة فرنسا في قوّة دولية من خارج إطار اليونيفيل، اعتبر أنّ ذلك ممكن إذا طلبه لبنان رسميًّا، إلّا أنّ السؤال الأهمّ يبقى: هل سيُسمح للبنان أصلًا بتوجيه هذا الطلب إلى فرنسا؟
اليونيفيل: من يقف وراء الاعتداء؟
إلى ذلك، توقّف نور الدين عند الاعتداء الأخير على عناصر اليونيفيل، طارحًا تساؤلًا صريحًا: "من يقف وراء هذه الحادثة؟ هل الحزب فعلًا وراءها، أم أنّ جهة أخرى نفّذتها وأُلصقت بالحزب؟"، مضيفًا أنّه لا تتوافر إجابة قطعية بعد، وإن كان التحقيق الفرنسي يشير إلى أنّ "حزب الله" هو المسؤول.
وبالانتقال إلى المفاوضات المرتقبة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن، رأى نور الدين أنّه حتى لو تفاوض لبنان مع العالم بأسره ووُقِّع اتفاق، فإنّ هذا الاتفاق لن يصمد في غياب إجماع وطني داخلي. وشدّد على أنّ أيّ خطوة بهذا الحجم، خصوصا تلك التي تمسّ السياسة الخارجية للبنان جذريًّا، تستوجب توازنًا وإجماعًا لبنانيًّا حولها.
وردًّا على سؤال حول قدرة حكومة نواف سلام على الصمود، اعتبر أنّ الحكومة قد لا تصمد طويلًا إذا سلكت طريق المفاوضات، مشيرًا إلى أنّ ثمّة حديثًا متزايدًا في أروقة السلطة عن أنّ "قرار إسقاطها قد اتُّخذ أو في طريقه إلى أن يُتّخذ"، وأنّ الجميع ينتظر التوقيت المناسب، ملمحًا إلى أنّ بعض هذه القراءات تصل إلى حد إدراجها في تقارير رسمية في الغرب.
وفي قراءته لوضع الطائفة الشيعية في لبنان، أكّد نور الدين أنّ موقف الثنائي لا يزال موحّدًا حتى اللحظة، معتبرًا أنّ الرئيس نبيه برّي يدرك جيّدًا ما يعنيه الانقسام في الصفّ الشيعي. ورأى أنّ برّي و"حزب الله" قادران على تجنّب الانقسام في المواقف، وسيواصلان تجاوز هذه المرحلة بوحدة الصفّ. وفي ردٍّ على ما يبثّه بعض المحلّلين القريبين من حركة أمل حول احتمال الافتراق عن الحزب، شدّد على أنّ الثنائي يقف على قلب رجل واحد، على حدّ تعبيره.
لجنة الميكانيزم: صمت لبناني لافت
أمّا في ملفّ المساعي الفرنسية لتفعيل لجنة الميكانيزم، فأشار إلى أنّ تفعيلها مطلب رفعه برّي من جهة، وتبنّاه ماكرون من جهة أخرى. إلّا أنّه لفت إلى غياب أيّ صدى حتى الآن من جانب رئاسة الجمهورية اللبنانية في هذا الشأن، مضيفًا أنّ فرنسا "بدأت بالفعل تحريك ملفّ الميكانيزم"، لكنّ الرئاسة اللبنانية لم تُبدِ بعد موقفًا واضحًا بشأن الجهة التي ستتولّى التفاوض في إطار هذه الآلية.
وتقول مصادر فرنسية مطلعة لـ"المشهد" إنّ ما هو أبعد من محاولة فرنسا إحياء لجنة "الميكانيزم"، هو شَقّ طريق يؤدّي إلى إقامة علاقات طبيعية بين لبنان وإسرائيل، مع المحافظة على سيادة لبنان ووحدة أراضيه وسلامتها.
وتضيف المصادر أنّ ماكرون يتمسّك بفكرة أنّ السلام متعذّر إذا لم تنسحب إسرائيل من كلّ الأراضي اللبنانية، مع التخلّي عن أيّ نيّة توسّعية مُعلنة أو مضمَرة. وتجزم بأنّه مقتنع بأنّ لا سبيل لوصول لبنان إلى برّ الأمان إلّا عبر مفاوضات تقوم على أساس تسليم "حزب الله" سلاحه مقابل انسحاب إسرائيل، وتولّي الجيش اللبناني تأمين الحدود.
ويدرك ماكرون أنّ الجيش اللبناني يحتاج إلى دعم بالسلاح الفعّال الذي يسمح له بفرض الأمن والاستقرار، وطمأنة البيئة الشيعية في الجنوب بإمكان العودة إلى حياة طبيعية.
يبقى القول إن المرحلة حساسة فعلاً، وكل المحاولات الممكنة تُبذل لتجنّب النتائج الكارثية التي يتخوّف منها اللبنانيون، على أمل ألا تسبق التحوّلات الميدانية كل مساعي إطفاء النار.