تمكنت المرأة الفلسطينية تاريخياً من وضع بصمتها ومساهمتها في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتزامناً مع يوم المرأة العالمي، لا تزال تعيش المرأة الفلسطينية ظروفاً استثنائية عن بقية نساء العالم، خصوصا في قطاع غزة، وبفعل الحرب المتواصلة، باتت الظروف عصيبة وحالكة للغاية.
فوجدت المرأة الغزية نفسها، في وضع فظيع، وباتت تتحمل ويلات الحرب وتداعياتها، وسط ظروف كارثية تنعدم فيها مقومات الحياة، فالقتل والدمار والنزوح أصاب معظم الغزيات اللواتي أخذن على عاتقهن مهمات شاقة، لتوفير الطعام والاعتناء بالعائلة في خيم اللجوء، وفي كثير من الأحيان مع فقدان الأهل والزوج، حيث غابت مظاهر الحياة، وباتت أبسط متطلباتها واحتياجاتها الشخصية مفقودة بل مستحيلة.
الظروف التي تكابدها المرأة الفلسطينية، لم يسبق أن شهد العالم مثيلاً لها، فالحرب انتهكت حقوقها وكرامتها ومستقبلها، في أحوال من العنف والقهر الممنهج من قبل إسرائيل.
وتشير التقارير الصادرة من غزة لاضطرار مليوني شخص إلى النزوح من أماكن سكناهم، نصفهم من الإناث، فيما كشفت المعطيات الصحية وجود نحو 60 ألف امرأة حامل، معظمهن يلدن أو يجهضن من الخوف والتوتر، ويعانين الجفاف وسوء التغذية، بسبب الفقر الغذائي الحاد، فيما يلدن الأطفال ناقصي الوزن ويعانون مشاكل صحية.
تروي شيرين البيطار المعلمة والأم لثلاثة أطفال لمنصة "المشهد" تجربتها المريرة بالحرب، نزحت وأسرتها مرات عدة إلى أن استقرت في خيمة بمدينة رفح، "حياتي انقلبت رأساً على عقب، كان لدي طموحات كبيرة، أشتاق لبيتي ومدرستي وطلابي وللصفوف المدرسية التي تحولت إلى ركام، بينما يحتفي العالم بهذا اليوم العظيم، نحن نقتل ونعذب ونعيش حياة قاسية لا يحتملها العقل البشري".
وتضيف البيطار: "رأينا الموت والحرمان والقهر بأشكال مختلفة، وما زال الموت يلاحقنا، والبؤس يطاردنا، نساء غزة دفعن ثمن الحرب من أرواحهن وأجسادهن وأحلامهن، كل عام ونحن أقرب إلى الحرية".
أرقام صادمة
أشار "الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني" في تقرير استعرض أحوال المرأة الفلسطينية في يوم المرأة العالمي، بأن القوات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب في غزة، قتلت 9 آلاف سيدة فلسطينية، وأصابت 23 ألف امرأة جريحة، وهدمت آلاف المنازل فوق رؤوس النساء الفلسطينيات، وباتت أكثر من ألفي امرأة، في عداد المفقودات وتحت الأنقاض.
وتابع التقرير، اعتقال وتعذيب القوات الإسرائيلية عشرات النساء الغزيات، اللواتي لم يعرف مصيرهن بعد، فيما قتلت واعتقلت تلك القوات في القدس والضفة الغربية مئات النساء، فيما تكابد بقية النساء الانتهاكات الإسرائيلية في المنازل وأماكن العمل بفعل سياسة المداهمات والاعتقالات والإعدامات الميدانية، والحواجز والتفتيشات، وانعدام الأمان بفعل هجمات المستوطنين على البلدات والأراضي الزراعية، والحصار الإسرائيلي للفلسطينيين وتفاصيل حياتهم اليومية.
وفي حديث خاص أوضحت وزيرة المرأة الفلسطينية آمال حمد، لمنصة "المشهد": "اليوم يحل علينا 8 مارس، والشعب الفلسطيني يذبح من الوريد إلى الوريد، النساء تتعرض إلى حملة إبادة جماعية ممنهجة وتطهير عرقي، وحالة نزوح ولجوء غير مسبوقة، وبالتالي هذا استهداف واضح وصريح من قبل السلطات الإسرائيلية".
وأشارت حمد إلى أن "المرأة الفلسطينية هي نموذج مميز لوحدة ولحمة المجتمع، وهي الأساس والمرأة ولادة تؤدي إلى توازن ديمغرافي، وجملة الاستهدافات المتواصلة بحق المرأة في غزة لا يقبلها منطق ولا عقل بشري".
وتابعت "المرأة في غزة تعاني نقصا شديدا في أبسط احتياجاتها الحياتية حتى من شربة ماء، بينما هي باتت مسؤولة عن عائلات بأكملها، تبحث عن الطعام وتقوم بتوفير متطلبات زوجها وأولادها، في كل يوم تقتل 63 امرأة في غزة معظمهن أمهات، تم سلب الحق في العيش والمسكن والملبس والمشرب والأمن والأمان على يد إسرائيل، التي تحول من دون تحقيق أمنيات نساء غزة من العودة إلى أنقاض منازلهن المدمرة".
وأكدت الوزيرة حمد لمنصة "المشهد"، بأن أحد أوجه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي "الديمغرافي"، ومن هذا المنطلق تحارب إسرائيل نساء القدس والضفة الغربية وبقية المناطق. وقالت "إسرائيل تعمل على قتل المرأة الولادة والتخلص منها بكل الطرق الممكنة، وتستغل الظروف والحروب لتحقيق ذلك، ومن خلال سياسة التهجير، والاعتقالات، والقتل المتعمد".
واقع آليم
من جانبها قالت القيادية في الجبهة الديمقراطية والناشطة النسوية ماجدة المصري، لمنصة "المشهد"، إن "هول وفظاعة ما حدث ويحدث للمرأة الفلسطينية في قطاع غزة، كشف زيف المنظومة الدولية الأجنبية حول ما تدعيه دول الغرب، بموضوع حقوق الإنسان والعدالة والمساواة، كون جوهر قضية المرأة هو العدالة والمساواة".
وأضافت المضري: "المرأة جزء من الشعب الفلسطيني، وبالتالي الحرب عرت جميع هذه الادعاءات الغربية التي بات شريكاً لإسرائيل، لأنها وقفت صامتة متفرجة على الجرائم ووضع النساء في غزة، ولم تضغط بما يكفي لوقف الحرب".
وتابعت "الأراضي الفلسطينية تمر بظروف غير مسبوقة، وهناك تجاوزات بالغة بحق النساء، وإسرائيل تستغل هذه الظروف، فحياتهن معرضة للخطر في القدس والضفة الغربية، والقائمة في ذلك تطول، لدينا 60 أسيرة يقبعن في السجون الإسرائيلية، إسرائيل تسعى لكسر نموذج المرأة الصابرة الصامدة في بيتها وعلى أرضها، ونطالب دول العالم الحر والمجتمع الدولي، بوقف الحرب وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي، لكي تعيش المرأة الفلسطينية بحرية وكرامة مثل بقية نساء العالم".