يضع الحصار البحري الأميركي على مضيق هرمز الاقتصاد الإيراني في مواجهة انهيار وشيك، بعدما كان يعاني أساسا قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير، وفق تقرير تحليلي صحيفة "تليغراف".
فمع وصول العملة الإيرانية إلى أدنى مستوياتها التاريخية أمام الدولار في ديسمبر الماضي، اندلعت احتجاجات واسعة؛ بسبب غلاء المعيشة في أنحاء الجمهورية الإسلامية، قبل أن تتفاقم الأزمة لاحقا مع خسائر حرب تُقدّر بنحو 270 مليار دولار، وهو رقم يفوق عائدات النفط السنوية لإيران، ويعادل تأثير 26 عاما من العقوبات النفطية.
وتقول الصحيفة إن إيران تواجه معضلة شبه مستحيلة تتمحور حول إعادة بناء اقتصاد مدمّر في وقت يمنعها فيه الحصار الأميركي من استيراد المواد الأساسية اللازمة لإعادة الإعمار.
شهران أمام طهران
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن طهران تمتلك احتياطيات محدودة من العملات الأجنبية تكفي لأشهر عدة فقط لتغطية الواردات الطارئة، إذا ما ركّزت الحكومة على الغذاء والدواء بدلًا من احتياجات الصناعة. لكن مع نفاد هذه الاحتياطيات، ستجد البلاد صعوبة في الاستمرار اقتصاديا.
وتعتمد إيران على الاستيراد لتأمين نحو 40% من غذائها، بما في ذلك القمح والأرز والزيوت النباتية واللحوم، كما تعتمد شركات الأدوية على المواد الخام المستوردة لإنتاج 70% من الأدوية. كذلك تحتاج المصانع إلى قطع غيار ومواد كيميائية ومكونات مستوردة.
وفي حال استمرار الحصار، سترتفع أسعار الغذاء أولا، تليها أزمة نقص في الأدوية مع نفاد المخزون، ثم يتباطأ الإنتاج الصناعي بسبب نقص القطع، ما يضع الحكومة أمام خيارين أحلاهما مرّ: استنزاف ما تبقى من احتياطياتها أو مواجهة اضطرابات داخلية.
أما قطاع النفط، فيضيف ضغطا إضافيا على الجدول الزمني، إذ تشير التقديرات إلى أن إيران يمكنها الصمود لنحو شهرين فقط في حال توقف صادرات النفط بالكامل، قبل أن تضطر إلى خفض الإنتاج.
ورغم امتلاكها ثالث أكبر احتياطي نفطي في العالم، فإن محدودية القدرة على التخزين تعني أن وقف التصدير سيؤدي سريعا إلى اختناق القطاع.
ويرى خبراء أن استمرار الوضع الحالي سيجبر طهران على التوصل إلى اتفاق ما، إذ لا يمكن تشغيل الاقتصاد من دون تدفق الأموال.
في الداخل، يلعب الحرس الثوري الإيراني دورا محوريا في إدارة اقتصاد الحرب وإعادة الإعمار، حيث يسيطر على نحو 40% من الناتج المحلي عبر شبكة شركات وقطاعات تمتد من البناء إلى الطاقة والاتصالات.
هذا النفوذ يمنح النظام قدرة على الصمود عبر شبكات التهريب والسوق السوداء، التي يمكنها تأمين السلع عبر العراق وتركيا وباكستان وبحر قزوين حتى مع انهيار التجارة الرسمية.
لكن هذا الواقع يعني أيضا توزيعا غير عادل للأزمة، حيث تتمكن النخب المرتبطة بالحرس الثوري من الوصول إلى السلع النادرة، بينما يواجه المواطنون نقصا وارتفاعا في الأسعار وتقنينا في الموارد.
ورغم ذلك، قد تدفع المصالح الاقتصادية للحرس الثوري نحو تسوية مع الولايات المتحدة، إذ إن استمرار الحصار يهدد أصوله واستثماراته، بما في ذلك ممتلكات خارجية.
في المقابل، يرى محللون أن انهيار النظام ليس وشيكًا، إذ اعتادت إيران على العقوبات القاسية، وتمكنت من تطوير حد أدنى من الاكتفاء الذاتي يسمح لها بالصمود لفترة طويلة، ربما لأشهر أو حتى سنوات.
لكن مؤشرات القلق تتزايد، خصوصا بعد احتجاجات يناير في طهران، والتي شهدت مشاركة تجار تقليديين كانوا داعمين للنظام، ما يشير إلى تآكل العقد الاجتماعي.
تفاقم الأضرار الاقتصادية
إلى جانب ذلك، فاقمت الحرب الأضرار الاقتصادية، حيث تضررت منشآت صناعية رئيسية، بما فيها مصانع الصلب في الجنوب وأصفهان، والتي كانت تنتج نحو ثلث الإنتاج الوطني، ما انعكس سلبًا على قطاعات البناء والتصنيع.
كما تضررت منشآت البتروكيماويات التي كانت تدر نحو 18 مليار دولار سنويا، إضافة إلى مصافي النفط ومرافق تخزين الوقود، ما أدى إلى تقنين الإمدادات.
ودُمّر أو تضرر ما يقارب 100 ألف مبنى سكني وتجاري، فيما أعلنت الحكومة حوافز لإعادة الإعمار، لكنها تبقى رهينة توفر المواد المستوردة، وهو ما يعطّله الحصار البحري.
ورغم أن نحو نصف الصادرات غير النفطية تمر عبر الطرق البرية، فإنها لا تستطيع تعويض النقل البحري، خصوصا للمواد الثقيلة مثل الحديد والإسمنت.
تحتاج طهران إلى هدنة طويلة لإعادة الإعمار واستئناف تصدير النفط والوصول إلى أصولها المجمدة، لكن قبول شروط دبلوماسية قاسية قد يضعف شرعية النظام داخليا.
وفي ظل هذا المأزق، تجد القيادة الإيرانية نفسها عاجزة عن الاعتراف بنجاح الحصار من دون الظهور بمظهر الضعف، وفي الوقت ذاته غير قادرة على تجاهل أن إعادة الإعمار تتطلب موارد لا يتيحها الوضع الحالي.
في الوقت الراهن، لا إعادة إعمار حقيقية، والواردات تتراجع يوما بعد يوم، والأسواق تحسب كم يمكنها الصمود.
واختتمت الصحيفة بالإشارة إلى أن الحرب قد تكون هدأت.. لكن الحصار الاقتصادي بدأ فعليا.