وتتولى المنصوري حاليا قيادة الحزب بشكل جماعي، إلى جانب وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وقالت في تصريحات سابقة، إنّ الأصالة والمعاصرة "يستعد لتصدر نتائج الانتخابات"، وإنّ "العمل داخل الحزب، يجري على أساس تولي رئاسة الحكومة".
صناديق الاقتراع تحكم
وكانت المنصوري أكثر حذرا، عندما طُرح عليها في وقت سابق، سؤال يتعلق بإمكانية أن تصبح أول رئيسة حكومة في تاريخ المملكة، وأكدت حينها، أنّ المسألة تبدأ من إرادة الناخبين، قبل أن تنتقل إلى المسار الدستوري الذي يحدد كيفية تعيين رئيس الحكومة.
ويرى أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، كريم بوخصاص، أنّ الحديث عن إمكانية، أن تصبح فاطمة الزهراء المنصوري أول رئيسة حكومة في تاريخ المغرب، يبقى سابقا لأوانه، لأنّ "الانتخابات بطبيعتها تظل مفتوحة على المفاجآت، ولأنّ الطريق إلى رئاسة الحكومة يمر أولا عبر صناديق الاقتراع".
ويضيف في تصريح لمنصة "المشهد"، أنّ حزب "الأصالة والمعاصرة"، الذي يعلن طموحه لتصدر انتخابات 2026، سيكون مطالبا بإقناع الناخبين أولا ببرنامجه وبقدرته على تقديم عرض سياسي متميز، كما سيكون أمام تحد كونه شريكا في التحالف الحكومي الحالي، بما يجعل حصيلته بدورها موضوعا للنقاش والمحاسبة الانتخابية.
ويمنح هذا التسلسل أهمية خاصة للانتخابات المقبلة، إذ لا يكفي طرح اسم المنصوري للوصول إلى المنصب بحسب مراقبين، فالنتيجة التي سيحققها حزبها في انتخابات مجلس النواب، ستكون العامل الأول في تحديد موقعه داخل المشاورات التي ستلي الاقتراع.
من المشاركة إلى القيادة
ويأتي طموح "الأصالة والمعاصرة" لقيادة الحكومة، بعد سنوات من الحضور في السلطة التنفيذية، بعدما شارك الحزب في الائتلاف الحكومي الحالي، وتراهن فاطمة الزهراء المنصوري على هذه التجربة، لتقديم حزبها باعتباره قادرا على الانتقال من موقع المشاركة إلى موقع القيادة.
ويرى الكاتب والفاعل السياسي جواد بنعيسى، أنّ رئاسة سيدة للحكومة المغربية، ممكنة على المستوى البعيد أو على الأقل المتوسط، لأنه مرتبط بمدى التزام الفرقاء السياسيين بالتمكين السياسي للمرأة، وهذا يتطلب في نظره "نضجا حقيقيا للثقافة الحزبية التي لم تتخلص بعد من النظرة الدونية للمرأة بشكل عام".
ويضيف في تصريح لـ"المشهد"، "لا تزال المرأة تحتل حيزا هامشيا وتكميليا في المجال السياسي المغربي، وعلى الرغم من كل ما تحقق من تنمية للمرأة، لا تزال هاته الأخيرة لم تصل بعد، وخصوصا في المجال السياسي، إلى مواقع الريادة ودوائر القرار الإستراتيجي".
ويشرح بنعيسى أنه قد مر ما يزيد على 20 سنة على فرض نظام "الكوتا" النسائية، التي ضمنت وجودا نسبيا للمرأة في المؤسسة التشريعية بالمغرب، ويقول، "لاحظنا أنّ المرأة البرلمانية، أظهرت بشكل عام قدرا كبيرا من الكفاءة والحضور والمساهمة الفاعلة في التشريع وفي مراقبة الحكومة، ويمكن أن نقول الشيء نفسه بالنسبة للنساء الوزيرات، لكنّ هذا الحضور الإيجابي، في الوقت الراهن، غير محصن ضد التراجعات".
نقاش التحالفات
وفي قلب المنافسة توجد أيضا مسألة التحالفات التي تؤدي إلى رئاسة الحكومة، فقد أعلنت المنصوري موقفا شخصيا رافضا لاستمرار التحالف الحكومي الحالي مع "التجمع الوطني للأحرار"، في حال تصدّر الانتخابات، لكنها شددت على أنّ القرار النهائي بشأن التحالفات، يعود إلى المؤسسات المختصة داخل الحزب.
وإذا أفرزت صناديق الاقتراع تصدّر حزب "الأصالة والمعاصرة"، فإنّ تولي شخصية من الحزب رئاسة الحكومة، وذلك وفق الفصل 47 من الدستور، إذ ينص على تعيين الملك رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
وتفتح هذه الشروط الباب أمام مرحلة سياسية مختلفة، إذا تمكن حزب "الأصالة والمعاصرة" من تحقيق نتيجة تضعه في صدارة مجلس النواب، عندها لن يكون السؤال متعلقا فقط بمن يقود الحزب، بل أيضا بمن سيحمله إلى رئاسة الحكومة، وكيف ستتشكل الأغلبية البرلمانية اللازمة لتشكيلها.
وتملك المنصوري بالفعل موقعا متقدما داخل هرم الحزب، بعدما تولت قيادة الأمانة العامة بشكل جماعي، كما راكمت تجربة حكومية خلال الولاية الحالية، ويضاف إلى ذلك حضورها في الاستحقاق الانتخابي، باعتبارها واحدة من أبرز الوجوه التي يقدمها الحزب في هذه المرحلة.
وإذا تحقق وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة لأول مرة، فسيحمل ذلك بحسب بوخصاص، دلالة رمزية وسياسية لافتة في مسار المشاركة السياسية للنساء بالمغرب، غير أنّ النقاش في نظره، سيتجاوز حينها رمزية وصول امرأة إلى أعلى موقع حكومي، إلى مساءلة المشروع السياسي والبرنامج والقدرة على بناء أغلبية وتدبيرها والاستجابة لانتظارات المواطنين.
"الطريق ليس مفروشا بالورود"
ويعلق الكاتب والفاعل السياسي جواد بنعيسى في تصريحه لـ"المشهد"، "أن تصبح سيدة رئيسة للحكومة، فهذا معناه أننا قطعنا أشواطا مهمة في مسار الديمقراطية والحداثة بالمغرب، وأننا تخلصنا من العقلية الذكورية القديمة، وانخرطنا في القيم الكونية، وأصبحنا نعتبرها فضاءً مشتركا للإنسانية جمعاء".
غير أنّ المنافسة لا تُختزل في "الأصالة والمعاصرة" والمنصوري وحدهما بحسب مراقبين، فالحزب يدخل سباقا تتنافس فيه قوى سياسية عدة على صدارة مجلس النواب، فيما ستحدد النتائج النهائية حجم كل قوة، وقدرتها على الدخول في ترتيبات الأغلبية الحكومية.
وشهدت انتخابات 2021 تصدر حزب "التجمع الوطني للأحرار" بـ102 مقعد، يليه "الأصالة والمعاصرة" بـ87 مقعدا و"الاستقلال" بـ81 مقعدا، ما جعل الملك محمد السادس يكلف عزيز أخنوش الأمين العام للحزب المتصدر بتشكيل الحكومة.
وفي حال انتهى اقتراع 2026 بتصدر "الأصالة والمعاصرة"، واختار الملك شخص فاطمة الزهراء المنصوري لقيادة الحكومة، فإنّ المغرب سيكون أمام سابقة سياسية، بعدما ظلت رئاسة الحكومة منذ الاستقلال حكرا على الرجال.
لذلك، لن يكون السؤال فقط بحسب كريم بوخصاص، هل يشهد المغرب لأول مرة حكومة تقودها امرأة؟ بل أيضا بأيّ مشروع سياسي، وبأيّ أغلبية، وبأيّ أولويات؟
أما الكاتب جواد بنعيسى فيحتفظ ببعض التشاؤم، ولا يتوقع أن تكون لدى المغرب رئيسة حكومة في الأيام المقبلة، ويقول "في جملة واحدة، يمكن أن أجزم بأنّ طريق المرأة المغربية إلى رئاسة الحكومة ليس مفروشا بالورود!".



