يكابد مرضى السرطان في قطاع غزة أحوالاً صحيّة مضنيّة، وظروفاً شاقة، أقل ما يمكن وصفها "بالموت البطيء"، في ظل انعدام متطلبات المعيشة واضمحلال العلاج، ونفاذ الأدوية الخاصة بهم، بفعل قساوة مآلات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وعلى الأرض، يحول الحصار الإسرائيلي المطبق على معابر القطاع، دون حصول مرضى السرطان على مستلزمات العلاج، أو السفر من أجل العلاج الطبي خارجياً، ودمرت الحرب المستشفى الوحيد المتخصص في علاج مرضى الأورام بمدينة غزّة، الأمر الذي زاد من معاناتهم، وأودى بوفاة عشرات المرضى نتيجة عدم توفر العلاج، وإرهاق نظام الرعاية الصحية، والظروف المعيشية الصعبة، بحسب منظمة آكشن إيد الدولية.
وتظهر المعطيات الرسمية، تنامي تسجيل إصابات للفلسطينيين في قطاع غزة بمرض السرطان، بسبب آلاف الأطنان من الأسلحة والصواريخ المحتوية على المواد الخطيرة والسامة، وتلوث المياه والجو، ليزداد الخوف من وجود عشرات الحالات المصابة بمرض السرطان، ويصعب عليها الكشف المبكر، بفعل غياب المستشفيات والعيادات الصحية المتخصصة، وتردي الأحوال المعيشية وصعوبة التنقل بفعل استمرار القصف والضربات الجوية، وهذه الظروف تهدد بتفشي المرض، ليصل لدرجة خطيرة، وحينها تكون السيطرة عليه، صعبة للغاية.
تفشي السرطان في غزة
في السياق، أكدت وزارة الصحة في قطاع غزة، نفاد 59% من الأدوية الأساسية، و37% من المستلزمات الطبية، وحذّرت من أن "القطاع الصحي وصل إلى مستويات خطيرة وكارثية"، وكشفت وزارة الصحة لـ"المشهد" وجود أكثر من 12 ألف مصاب بمرض السرطان في قطاع غزة، أكثر من 2500 حالة اكتشفت إصابتهم خلال الحرب الإسرائيلية المستمرة في قطاع غزة، وتمكن 1400 مريض من السفر للعلاج بالخارج، وأغلبية المرضى يستوجب خروجهم من قطاع غزة للعلاج خارجاً، وأفادت أرقام رسمية ذي صلة، بأن "أكثر من ألف مريض سيفقدون أرواحهم، إن لم يعالجوا حالاً".
وصرح رئيس وحدة العلاقات العامة والإعلام في وزارة الصحة الفلسطينية أنس الديك لمنصة "المشهد" بأن "الأوضاع التي يمر بها مرضى السرطان في قطاع غزة هي مأساة إنسانية تفوق الوصف، وتشكّل واحدة من أبشع صور المعاناة التي يخلّفها هذا العدوان المستمر، آلاف المرضى يُحرمون من أبسط حقوقهم في العلاج، بسبب الحصار الكامل المفروض على القطاع، واستهداف البنية التحتية الصحية، ونفاد الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، ومنع التحويلات للعلاج خارج القطاع".
ولفت الديك لـ"المشهد" إلى أن "مصير مرضى السرطان في غزة اليوم هو مصير محفوف بالخطر والموت البطيء، خصوصًا مع توقف عمل مستشفى التركي، وهو المركز الرئيسي لعلاج الأورام، وانعدام البدائل في ظل تدمير المنظومة الصحية بشكل شبه كامل".
وأكد الديك خلال حديثه بأن "وزارة الصحة تبذل كل جهد سياسي ودبلوماسي وإنساني ممكن للضغط على المجتمع الدولي، من أجل فتح ممرات آمنة لإجلاء المرضى وتوفير العلاج العاجل لهم، ولكن حتى اللحظة، لا استجابة حقيقية تُلبّي الحد الأدنى من احتياجاتهم، وما زلنا نناشد المؤسسات الدولية والمنظمات الصحية والحقوقية ألا تظل صامتة أمام هذه الكارثة، وأن تتحرك فورًا لإنقاذ حياة المئات من المرضى الذين لا يملكون ترف الانتظار، وأطفال ونساء وشيوخ يموتون بصمت، في جريمة لا يجب أن تمرّ مرور الكرام".
الحرب تفاقم معاناة مرضى السرطان
"ابنتي تصارع الموت، من دون أن أستطيع فعل شيء أو علاجها"، تقول والدة الطفلة سنابل أبو دية لمنصة "المشهد"، التي تعاني من سرطان في الغدد الليمفاوية، مضيفة "نتيجة للمرض وسوء التغذية، واستمرارنا بالنزوح من مكان لآخر، يتدهور وضع سنابل الصحي وتضعف مناعتها".
تعيش الطفلة ووالدتها قلقاً مستمراً، بسبب تراجع صحة الابنة وعدم توفر العلاج الكيماوي، فهي بحاجة ماسة للسفر للعلاج، لكنها لن تتمكن من ذلك بفعل إغلاق إسرائيل للمعابر. 
وتعبر الطفلة سنابل (13) عاماً لـ"المشهد" عن شدّة الأوجاع التي ترافقها بفعل المرض وانعدام العلاج والأدوية، ورغبتها الشديدة بالعلاج الفوري للتخلص من ثقل أعراض المرض عليها، "أريد أن أعيش بلا وجع، وأمارس حياتي الطبيعية واستكمل تعليمي لأصبح مهندسة ديكور، هذا الأمل يخفف عني الكثير".
لا يختلف الوضع الكارثي لحالة الطفلة سنابل، عن المعاناة الشديدة للحاج خليل الشرفا (63) فهو مصاب بسرطان في الدماغ، وبحاجة ماسة لإجراء عملية استئصال للورم، وأخذ العلاج المناسب لحالته الآخذة بالسوء قبل فوات الأوان.

يشكو الحاج الشرفا لمنصة "المشهد" عن أحواله الصحية السيئة على نحو متسارع، وإصابته بشلل نصفي ومضاعفات عديدة، يقول "أحتاج لعملية وعلاج مكثف للورم، لكن كل هذا غير موجود في قطاع غزة بفعل الحرب، غير أنني أفتقر لأبسط المقاومات الحياتية حيث أتواجد في خيمة النزوح، عندما تصيبني نوبات أذهب للمستشفى، يقوم الأطباء بإعطائي مسكنات لكنها لا تنفعني كما يجب".
وفي هذا الصدد، أشار د. موسى الصباح رئيس قسم الأورام السرطانية في مستشفى غزة الأوروبي، إن المستشفى الوحيد حالياً في القطاع يقدم خدمات علاجية وطبية لمرضى السرطان، لكنه وفق د. الصباح "المستشفى يعمل ضمن المتاح والإمكانيات الطبية والعلاجية البسيطة والآخذة بالنفاذ، ويفتقر للأدوية التلطيفية للمرضى، والعلاجات الكيماوية الأساسية". 
وأضاف "هناك عشرات المرضى بالسرطان حالتهم صعبة، ومعرضون للموت في أي لحظة، بفعل الإغلاق الإسرائيلي للمعابر، والحيلولة دون إدخال المستلزمات والأدوية الطبية، وخروج المرضى للعلاج في دول الخارج".
وأوضح د. الصباح لـ"المشهد" بأن "الظروف المعيشية للمرضى، في خيام النازحين ومراكز اللجوء غير صحية، بالإضافة لسوء التغذية وتفشي المجاعة وانعدام النظافة وانتشار الأوبئة والأمراض المعدية، وبالتالي كل هذه العوامل ستزيد من تردي الأوضاع الصحية لمرضى السرطان، الذين هم بحاجة للتغذية الصحية والسليمة".




