في خضم تصاعد وتيرة الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدأ الحديث يتصاعد عن وجود مفاوضات يقودها وسطاء في كل من مصر وتركيا وباكستان، عبر فتح قنوات خلفية بين واشنطن وطهران لاحتواء الأزمة والحد من تداعياتها الخطرة على المنطقة.
المفاوضات الأميركية الإيرانية التي يدور الحديث حولها لا تزال محط تكهنات كثيرة، وتتزايد التساؤلات حول طبيعتها في ظل شروط أميركية تُوصف بأنها قريبة من الاستسلام الإيراني في مقابل شروط إيرانية يُقال عنها تعجيزية، مع غياب الثقة بين الطرفين.
وما بين تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن وجود نقاشات مع الإيرانيين ونفي المسؤولين في طهران لها، كشفت صحيفة نيويورك تايمز أن أميركا سلّمت إيران خطة مكونة من 15 بندًا تهدف إلى إنهاء الحرب، وذلك عبر قناة غير مباشرة تولّت باكستان إدارتها، وتضمنت هذه الخطة الآتي:
- تفكيك القدرات النووية الإيرانية، وإلزام إيران بعدم السعي مطلقاً إلى امتلاك سلاح نووي، وعدم تخصيب أي مادة نووية على الأراضي الإيرانية، وتسليم جميع المواد المخصبة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
- إخراج منشآت نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة وتدميرها، وتمكين الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول الكامل إلى جميع المعلومات داخل إيران.
- تخلي إيران عن نهج الوكلاء الإقليميين، ووقف تمويل وتسليح الأذرع المرتبطة بها في المنطقة.
- إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً باعتباره منطقة بحرية حرة لا يجوز إغلاقها، وفيما يتعلق بالصواريخ شددت الخطة الأميركية على أن مشروع الصواريخ يُتخذ قرار لاحق بشأنه، لكن سيتعين فرض قيود على عدد الصواريخ ومداها، كما تؤكد أن استخدام الصواريخ مستقبلاً فقط لأغراض الدفاع.
فيما تضمنت الخطة عما قيل عنه مكاسب ستجنيها إيران من وراء هذا الاتفاق، وتمثلت في أنه سيتم رفع جميع العقوبات المفروضة عليها، وتقديم مساعدة لتطوير مشروع نووي مدني في بوشهر لإنتاج الكهرباء، وإلغاء التهديد بتفعيل آلية "سناب باك" لإعادة فرض العقوبات.
مقاربة أميركية غير منطقية
وبشأن المعطيات المتداولة عن احتمال التوصل إلى اتفاق أميركي مع إيران، يقول رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية وعضو المجلس المصري للشؤون الخارجية الدكتور محمد محسن أبو النور في تصريحات لمنصة "المشهد" إن"جوهر الحرب الدائرة لا ينفصل عن طبيعة الشروط الأميركية المطروحة، والتي يقال إنها تصل إلى 15 شرطاً، وتعكس هذه الشروط مقاربة أميركية غير منطقية تميل إلى فرض واقع أقرب إلى الإذعان الكامل منه إلى تسوية متوازنة".
وأشار أبو النور إلى أن "هذه المقاربة تسند إلى فائض القوة والرغبة في إعادة تشكيل سلوك الخصم بصورة جذرية، وهو الأمر الذي تدركه القيادة الإيرانية جيداً".
وأوضح أنه بالنسبة لطهران فإن القبول بالشروط الأميركية تلك لا يعني مجرد تنازل تفاوضي، وإنما يمثل تهديداً مباشراً لركائز السيادة والدور الإقليمي، بل ويمتد ليطول طبيعة النظام ذاته، ومن ثم فإن الرفض الإيراني لا يقرأ باعتباره تشدداً تفاوضياً، وإنما كخيار وجودي مرتبط ببقاء الدولة والنظام من الأساس.
ووفقاً لأبو النور فإن الإستراتيجية الإيرانية قائمة على منطق الصمود والاستنزاف، مع الاستعداد لتحمل كُلفة زمنية أطول في مقابل رفع كُلفة المواجهة على الطرف الأميركي، وهو ما يمكن قراءته على سبيل الاستدلال من المنشور الذي كتبه يوسف بزشكيان نجل الرئيس الإيراني في يومياته لسرد الحرب من خلال قناته على تطبيق تليغرام، إذ يقول إن لديه معلومات حول أن الصواريخ الموجودة في البلاد حتى الآن تكفي لاستمرار الحرب على نفس الوتيرة والنسق لشهور طويلة، وإنه يعرف ذلك من المسؤولين العسكريين في البلاد الذين بنوا خطتهم للحرب على هذه الإستراتيجية طويلة الأمد.
وأكد أن الإستراتيجية الإيرانية تلك تفترض أن إطالة زمن الحرب، وفق سياسة الاستنزاف ومواصلة ضرب عمق إسرائيل، والاستعداد لسيناريو تدخل بري أميركي، عن طريق قوة المارينز المتمركزة على "يو إس إس تريبولي" والتي من المحتمل أن تصل إلى الشرق الأوسط بحلول نهاية مارس، ثم قوة المارينز الأحدث التي انطلقت من كاليفورنيا على "يو إس إس بوكسر" وغادرت في 20 مارس، والمرجح أن تصل إلى الشرق الأوسط في منتصف إبريل، من شأنه إعادة تشكيل موازين التفاوض ميدانيا، بما يفرض على واشنطن مراجعة حساباتها السياسية والعسكرية.
إيران هي الأخرى وضعت أمام الولايات المتحدة مطالب وشروطا صارمة لاستئناف المفاوضات ووقف الحرب، وتضمنت هذه المطالب بحسب وسائل إعلام أميركية، إغلاق جميع القواعد الأميركية في دول الخليج، وضمانات بعدم تجدد الحرب عليها، ووقف الضربات الإسرائيلية على "حزب الله"، بالإضافة إلى دفع تعويضات عن الهجمات على أراضيها، وإصدار أمر جديد بشأن مضيق هرمز يسمح لإيران بتحصيل رسوم من السفن العابرة للممر المائي، مع رفع جميع العقوبات المفروضة عليها، والسماح لها بالاحتفاظ ببرنامجها الصاروخي من دون أي مفاوضات لتقييده،
ورداً على هذه المطالب فقد وصفها مسؤول أميركي "بالسخيفة والغير واقعية"، وقال مسؤولون أميركيون في تصريحات نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال"، إن هذه المواقف ستجعل التوصل إلى اتفاق مع طهران أصعب مما كان عليه قبل بدء ترامب الحرب.
ويقول مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير عبدالله الأشعل في حديثه لمنصة "المشهد" إن "إيران في ولاية المرشد الثالث مجتبى خامنئي تريد رفع سقف مطالبها السياسية والإستراتيجية في زمن الحرب وكأنها منتصرة تماما على أميركا"، أخذا في الاعتبار قراءتها للتطورات الراهنة في إطار عدم تمكن ترامب من تحقيق أهدافه وعلى رأسها إسقاط النظام، وبالتالي تشير تلك المطالب الإيرانية إلى أن السردية الراهنة في ذهنية صانع القرار بطهران معناها أن إيران منتصرة في تلك الحرب.
الفجوة كبيرة بين الأطراف المتصارعة
وأشار الدبلوماسي المصري إلى أن التوافق بين الأميركيين والإيرانيين لا يزال هشاً وفقاً لمطالب كلا الطرفين التي تبدو متباينة إلى حد كبير، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بينهما، مؤكداً أن الوضع الراهن لا يزال بعيداً عن مرحلة التسوية، حيث لم تصل أطراف الصراع الثلاثة الرئيسية، وهي الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، إلى قناعة بضرورة إنهاء الحرب.
واستبعد في الوقت ذاته التوصل إلى اتفاق نهائي في الفترة الحالية، بل حتى خفض التصعيد لا يزال يواجه صعوبات متعددة، خصوصا مع استمرار العمليات العسكرية، محذراً من أن استمرار الصراع سيفرض أعباءً كبيرةً على مختلف الأطراف، مشيراً إلى أن الدول العربية وخصوصا في منطقة الخليج العربي تتحمل النصيب الأكبر من هذه التداعيات، إلى جانب التأثيرات العالمية الواسعة سواء على سلاسل الإمداد أو على أسواق الطاقة.
وعلى الصعيد الميداني فلا تزال الصورة بعيدة عن أي تهدئة، إذ استمرت الضربات الأميركية والإسرائيلية في استهداف منشآت عسكرية وبنى تحتية مرتبطة بالبرنامجين النووي والصاروخي في إيران، فيما لم تتوقف الأخيرة عن إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل ومناطق أخرى في الإقليم، وهو ما جعل البعض يتخوف على أي مسار تفاوضي في ظل تحت ضغط الوقائع اليومية على الأرض.
رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية الدكتور محمد محسن أبو النور، أكد على أنه لا يمكن قراءة مسار العمليات العسكرية بمعزل عن كونه جزءاً من عملية تفاوض غير مباشر، تستخدم فيها أدوات الضغط الصلب لإعادة صياغة شروط الحل النهائي المحتمل، فالحرب هنا ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لفرض معادلات تفاوضية جديدة، تتجاوز ما كان مطروحاً على الطاولة قبل اندلاع المواجهة.
وكانت الولايات المتحدة قد عززت خلال الساعات الأخيرة الماضية من تحركاتها العسكرية في المنطقة من خلال إرسال تعزيزات كبيرة إلى الشرق الأوسط، وفي هذا الإطار أوضح أبو النور أن فرضية الحسم العسكري السريع لصالح الولايات المتحدة تبدو موضع شك، في ظل تعقيدات البيئة العملياتية وتعدد أدوات الرد لدى إيران، وعليه فإن مآلات الحرب إذا استمرت بهذا النسق قد لا تصاغ وفق الرؤية الأميركية الأولية، وإنما عبر تسوية تفرضها توازنات ميدانية جديدة، تتيح لطهران انتزاع شروط أقرب إلى تصورها للأمن والسيادة.
وكشف أنه قد تجد الإدارة الأميركية نفسها في مرحلة لاحقة مضطرة إلى خفض سقف مطالبها والانتقال من منطق الإملاء إلى منطق التفاوض، بما يضمن مخرجا سياسيا مقبولا دون الانزلاق إلى خسارة إستراتيجية، ذلك أن الإصرار على النهج الحالي قد يعكس قصوراً في فهم طبيعة السلوك الإيراني، الذي يميل إلى الصبر الإستراتيجي وامتصاص الضغوط بدلا من الاستجابة الفورية لها.