ثمّة دعوات ملحّة لإجراء تحقيق دولي عاجل تقوده منظمة حظر الأسلحة الكيميائية بشأن الأدلة المتزايدة على استخدام القوات المسلحة السودانية أسلحة محظورة خلال الحرب، وفق ما أشار مراقبون لمنصة "المشهد"، وهي أدلة وثّقتها الولايات المتحدة ودفعتها لفرض عقوبات، وذلك في امتداد لسابقة مماثلة وموثقة عام 2016 في جبل مرة بدارفور وفق منظمة العفو الدولية.
نزع الشرعية عن "الإخوان" والجيش
فيما تؤكد قوى مدنية سودانية أن هذه القضية لا تحتمل التسييس، معتبرة أن التحقيق الدولي ضرورة قانونية وأخلاقية لمحاسبة المسؤولين ومنع تكرار الجرائم، ونزع الشرعية عن تحالف الجيش وجماعة "الإخوان" أمام المجتمع الدولي. وفي ظل فشل المبادرات السياسية وتصاعد خطاب الحسم العسكري، ترى واشنطن أن استمرار الحرب يهيئ لاستخدام وسائل غير تقليدية، ما يرجّح مزيداً من الضغوط والعقوبات الدولية، وربما إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، الأمر الذي يهدد بعزلة أوسع لسلطات بورتسودان ويعزز الدعوات لوقف الحرب والدفع نحو مسار تفاوضي، بحسب المصادر نفسها.
وكان وفد من التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود" ضمّ كلًا من المهندس خالد عمر، ودكتور بكري الجاك، ونجلاء كرار، بالسفير توماس شيب رئيس المكتب التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW)، بمدينة لاهاي، وفق بيان صادر عن التحالف، أمس.
وقد أوضح البيان أن الوفت "ناقش ضرورة تشكيل لجنة للتحقيق والمتابعة بشأن استخدام القوات المسلحة السودانية للأسلحة الكيميائية في عدة مناطق خلال الحرب الدائرة في البلاد. وأطلع الوفد السفير على وجود تقارير موثقة ومدعومة بأدلة مادية من مناطق مختلفة في السودان، بما في ذلك حالات لبعض الضحايا الذين يخضعون حاليًا للعلاج خارج السودان".
ومن جهته، أكد السفير على دعم جهود ألمانيا داخل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في ما يتعلق بملف استخدام الأسلحة الكيميائية، رغم التعقيدات الإجرائية التي تواجه المنظمة، والمتمثلة في ضرورة الحصول على أغلبية كافية داخل المجلس التنفيذي لإرسال فريق ميداني للتحقق وجمع الأدلة. كما أشار إلى أهمية ممارسة الضغط على القوات المسلحة السودانية وحلفائها من المليشيات لعدم استخدام هذه الأسلحة في المستقبل، وتقديم مستخدميها للمساءلة متى ما توفرت الإرادة السياسية واكتملت التحقيقات.
عقوبات أميركية
ولا تعدو الاتهامات بحق الجيش السوداني على استخدام الأسلحة الكيميائية كونها أمرًا عرضيًا أو مباغتًا، إنما ثمة سوابق عديدة لذلك، إذ فرضت الحكومة الأميركية، مطلع العام الماضي، عقوبات على الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقال إن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية. وبحسب تقرير لـ"هيومان رايتس ووتش" الأميركية، فإن تحقيقًا أجرته قناة "فرانس 24" الإخبارية الفرنسية، قدم أولى الأدلة العلنية بخصوص هذا الأمر وتحديدًا استخدام الكلور في حادثتَيْن في سبتمبر 2024.
وتابع: " حدد فريق "مراقبون" في فرانس 24، وهو وحدة التحقيقات الرقمية في القناة، الموقع الجغرافي لصور وفيديوهات نُشرت في سبتمبر قبل عامين في قاعدة كرري العسكرية ومصفاة الجيلي للنفط القريبة منها شمال الخرطوم، وكلتاهما كانتا آنذاك تحت سيطرة "قوات الدعم السريع"".
وإثر فرض واشنطن عقوبات على البرهان، متهمة إياه باختيار الحرب على حساب التفاوض لإنهاء النزاع، نقلت "نيويورك تايمز" عن مسؤولين أميركيين تأكيدهم بأن الجيش السوداني استخدم الأسلحة الكيميائية على الأقل مرتين خلال النزاع في مناطق نائية، مشيرة إلى استخدام غاز الكلور، وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية تامي بروس، أن الولايات المتحدة خلُصت رسمياً في 24 أبريل إلى استخدام الحكومة السودانية أسلحة كيميائية، من دون الإفصاح عن نوعها أو أماكن استخدامها.
أدلة موثقة
وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف "صمود" خالد عمر إن هناك ضرورة "للتحقيق الجاد" بواسطة منظمة حظر الاسلحة الكيميائية حول الأدلة المتزايدة لاستخدام القوات المسلحة السودانية لأسلحة محظورة خلال الحرب المحتدمة بالسودان، وهي أدلة وثقتها حكومة الولايات المتحدة وأصدرت عقوبات بناءً عليها في حق القوات المسلحة.
ويوضح عمر أن العديد من التقارير الحقوقية والإعلامية الدولية الموثوقة كشفت عن ذلك، إذ لم يعد الأمر "حدثًا جديدًا بالكلية، وقد أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا في العام 2016 احتوى على أدلة موثقة باستخدام السلام الكيميائي في جبل مرة بدارفور".
ويشير نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف "صمود" إلى أن هذه قضية "جادة" و"خطيرة" ولا تحتمل "التلاعب السياسي"، مشددًا على ضرورة المحاسبة لمنع حدوث مثل هذه الجرائم الخطيرة في حق السودان وأهله مجددًا.
جرائم الحرب
ومن جهته، يوضح الكاتب والباحث السياسي السوداني محمد المختار محمد أن واشنطن لم تكتفِ بالعقويات والإدانة، بل طالبت في نهاية نوفمبر من العام الماضي "سلطات الأمر الواقع في بورتسودان أن تعترف فورًا باستخدام الجيش السوداني الأسلحة الكيميائية، وأن تتوقف عن أي استخدام آخر للأسلحة الكيميائية، وأن تتعاون بشكل كامل مع الأطراف المعنية مثل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لمعالجة هذه الجرائم و الانتهاكات".
ومن هنا تلح القوى السياسة السودانية المدنية الداعية لوقف الحرب على إجراء تحقيق دولي، خصوصًا بعد توثيق استخدام الجيش الأسلحة الكيميائية في عدة مناطق، من قبل منظمات حقوقية محلية وأممية، بينما رصدت آثار الأسلحة الكيميائية على المدنيين، وفق المختار محمد في حديثه لمنصة "المشهد"، بالتالي فإن الأزمة تخضع لسياق الجرائم الدولية، ومسألة التحقيق الأممي ضرورة قصوى "لأن هذه الجرائم لا يجب تركها من دون تحقيق دولي وبالتبعية عقوبات صارمة".
فيما يرجح الكاتب والباحث السياسي السوداني أن مطالبة القوى المدنية بالتحقيق في استخدام الجيش الذي تتحكم فيه جماعة "الإخوان" تستند إلى تقارير دولية ومحلية موثوقة لتعزيز موقفها، ونزع "الشرعية الأخلاقية والقانونية عن تحالف الجيش و"الإخوان" أمام المجتمع الدولي، وثبوت استخدام أسلحة محرمة دوليًا يضع المجتمع الدولي أمام التزام أخلاقي وقانوني أيضًا لمزيد من الضغوطات بشكل أكثر حزمًا لوقف الحرب، في ظل تصنيف تنظيم عدد من فروع الإخوان الإقليمية كمنظمات إرهابية".
وتابع: "يمكن قراءة مطالبة القوى المدنية بالتحقيق في إطار دفع الجيش نحو طاولة التفاوض رغم صعوبة تخلصه من هيمنة "الإخوان" إن لم يكن من المستحيل. واجه نظام "الإخوان"، الذي يتحكم في المشهد الحالي اتهامات سابقة مماثلة في مناطق مثل جبل مرة في دارفور عام 2016، ومع إفشال كل المبادرات السابقة لوقف الحرب، ترى واشنطن أن استمرارها يخلق بيئة فوضى تغرى بالتمادي في استخدام وسائل غير تقليدية في ظل دعوات الحسم العسكري لقائد الجيش البرهان و"الإخوان"، لذلك من المتوقع ممارسة المزيد من الضغوطات والعقوبات من قبل المجتمع الدولي، مما يضع سلطات بورتسودان في عزلة دولية وتجميد ما تبقى من علاقات وقنوات دبلوماسية، وإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية بإضافة هذه التهم إلى ملفات التحقيق المفتوحة أصلًا بشأن جرائم الحرب في السودان".