أعلن وزير النفط العراقي حيّان عبد الغني السواد، خلال لقائه بنظيره السوري محمد بشير يوم الثلاثاء الماضي، عن دراسة مقترح لتصدير النفط العراقي عبر خط كركوك بانياس، مؤكداً على أهمية تجديد تصدير النفط بين البلدين وتأهيل الخط النفطي العراقي السوري ليعود للعمل كما في السنوات السابقة.
وتوصل الجانبان إلى تشكيل لجنة مشتركة لدراسة حالة الأنبوب ومدى إمكانية استئناف التصدير من خلاله، واستشارة مختصين دوليين لتحديد صلاحية الأنبوب للعمل ومنظومات الضخ والجدوى من إعادة التأهيل.
خط كركوك بانياس النفطي
ويعود تاريخ خط كركوك بانياس النفطي إلى العام 1952، حيث أنشئ بطول يقارب 800 كيلومتر وبطاقة إنتاجية تصل إلى 300 ألف برميل يومياً، يربط حقول النفط الشمالية في العراق بميناء بانياس السوري على البحر المتوسط، لكنه توقف عن العمل في العام 2003 بنتجة الحروب التي خاضها العراق، وفي العام 2010، طُرحت خطة شاملة لإعادة تأهيله إلا أن اندلاع الحرب السورية أوقف تنفيذها.
ويأتي الحديث عن إعادة تصدير النفط بين البلدين المتجاورين، في ظل التطورات السياسية المتسارعة التي تمر بها المنطقة عموماً وسوريا خصوصاً، بعد سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر الماضي، ما اعتبره مراقبون أنه محاولة من الجانب العراقي للتقرّب من الحكومة السورية الجديدة وورقة نفوذ سياسي بين بغداد ودمشق.
خطوة إستراتيجية مهمة
ويقول المستشار الاقتصادي السابق لرئاسة مجلس الوزراء العراقي الدكتور علاء الدين القصير لمنصة "المشهد" إن الحديث عن إعادة تشغيل الأنبوب النفطي الواصل من كركوك إلى بانياس حديث جديد قديم، لأن هذا الخط كان من الخطوط الإستراتيجية المهمة التي تربط كركوك بسوريا، وإعادة بنائه مسألة مهمة بالنسبة للعراق، خصوصا بعد المشاكل التي يعانيها مع خط جيهان التركي وخط ميناء العقبة.
ويوضح القصير أن إعادة التصدير ستعود بالفائدة على البلدين، لأن سوريا هي جارة للعراق تربطنا معها حدود إستراتيجية مهمة وأنهار مشتركة، ودفع النفط من خلال الأنابيب السورية سيعود بالفائدة عليها من خلال الرسوم التي تدفع على كل برميل، وفي المقابل سيؤدي تشغيل هذا الأنبوب إلى وفرة الإنتاج في حقول كركوك ودعم منافذ العراق النفطية الأخرى دون أن يؤثر على عملها.
ورغم أن طرح المشروع للاستثمار يعد خطوة عراقية نحو تنويع منافذ التصدير النفطي، إلا أنه يواجه تحديات مختلفة، في مقدمتها الكلفة المادية والأوضاع الأمنية في سوريا، عن ذلك يقول الخبير النفطي كوفند شيرواني:
- خط كركوك بانياس لم يعمل منذ سبعينات القرن الماضي، وأصبح خارج الخدمة كما فُقدت أجزاء كبيرة من الأنابيب ومحطات الضخ.
- لا يمكن الحديث عن إعادة التأهيل بل إنشاء خط نفطي جديد بالمسار نفسه يربط بين حقول المحافظات العراقية الشمالية إلى ميناء بانياس على البحر المتوسط ثم إلى الأسواق الأوروبية.
- مسألة التمويل التي لن تقل عن 8 إلى 10 مليارات دولار أميركي.
- ضرورة توفير أمان سير هذا الخط عبر الأراضي السورية خصوصا أنه يمر بمناطق خارج سيطرة الدولة السورية وهنالك بؤر مشتعلة تسيطر عليها مجموعات مسلحة، إذا فتأمين سير هذا الخط مرتبط بالاستقرار الذي نأمل أن يتحقق في سوريا خلال العام أو العامين القادمين.
وعن إمكانية منافسة خط كركوك بانياس لميناء جيهان التركي، يجيب شيرواني:
- خط بانياس سيكون منافساً لخط جيهان التركي، لأنه أيضاً يستهدف الأسواق الأوروبية ومساره أقصر، وجود خط تصدير إضافي يمثل تنويع لمنافذ التصدير العراقية، هذا أمر تخطط له وزارة النفط العراقية لضمان المرونة في تصدير النفط وعدم الاعتماد فقط على موانئ البصرة.
مغامرة غير محسوبة النتائج
وعلى الرغم من أن العديد من الأصوات الاقتصادية العراقية أيّدت هذا المشروع، فإن بعضهم وصفوه بالصفقة السياسية التي ترتدي لباس الاقتصاد، يقول الخبير المالي والاقتصادي الدكتور عبد الرحمن الشيخلي إن هذا المشروع غير مُجدٍ اقتصادياً، لذلك نرى أن هذا المشروع هو مشروع سياسي بغطاء اقتصادي لمجاملة الحكومة السورية، التي تعاني أوضاعا اقتصادية متردية بعد أكثر من 14 سنة من الحرب المستمرة على أراضيها، ولن يعود على العراق بالفائدة لأسباب متنوعة، في مقدمتها:
- الكلفة الكبيرة لإعادة التشغيل التي سيتحمّلها العراق كون سوريا غير قادرة حالياً على دفع مبالغ قد تصل لملايين الدولارات.
- لدينا منفذ جيهان التركي الذي نصدر من خلاله إلى الأسواق الأوروبية، وميناء البصرة الذي نصدره من خلاله إلى الخليج العربي ثم إلى الدول الآسيوية. إذاً لماذا نتجه لدفع ملايين الدولارات لإعادة تأهيل خط متوقف منذ سبعينات القرن الماضي؟
- نصدّر يومياً 3 ونصف مليون برميل نفط يومياً، إذا أردنا زيادة الإنتاج يمكننا الوصول إلى 6 مليون برميل نفط يومياً، هذه الكمية يمكن لمينائي جيهان والبصرة استيعابها بسهولة، إذاً لن تكون هنالك كميات كافية من النفط لتصديرها عبر خط بانياس السوري.
- بعد انتهاء مدة العقد سيصبح هذا الخط ملكا للجانب الذي يقع الأنبوب ضمن أراضيه، أي سيتحمل العراق تكلفته ثم يصبح ملكا للجانب السوري، كما حدث سابقاً مع ميناء المعجز السعودي على البحر الأحمر الذي دفع العراق 2.5 مليار دولار أميركي لإنشائه ثم وضعت السعودية يدها عليه بالكامل.
- إذا أردنا فعلاً إعادة تشغيل هذا الخط، على الجانب السوري تحمّل التكاليف، عن طريق المطالبة بقرض مالي من منظمات دولية أو من البنك الدولي، وليس العراق وحده من يتحمل عبء دفع هذه المبالغ الطائلة.
وفي سياق متصل، يقول الباحث المختص في الجانب المالي والمصرفي مصطفى حنتوش، إن نقل النفط العراقي عبر خط ميناء بانياس السوري إلى البحر المتوسط ومنه إلى أوروبا، ربما لن يكون مجديا نتيجةً للمخاطر التي ربما ستواجه سيره، خاصة في ظل الأوضاع الأمنية غير المستقرة في سوريا، ولن تكون الدول الأوروبية متحمسة لاستيراد النفط عبر سوريا في ظل أوضاعها الأمنية والسياسية المتقلّبة.
نفوذ بغداد على دمشق
وعلى المستوى السياسي، يقول المحلل السياسي الدكتور عائد الهلالي لمنصة المشهد، إن اتفاقية خط أنابيب كركوك بانياس بين العراق وسوريا تمثّل خطوة إستراتيجية تتجاوز البُعد الاقتصادي لتلامس حسابات النفوذ الإقليمي، حيث تمنح العراق نفوذاً مباشراً على دمشق، خصوصًا في ظل مساعي الحكومة السورية الجديدة لاستعادة علاقاتها الإقليمية، وتدرك بغداد أن سوريا بوابة مهمّة نحو المتوسط وأن أي تعاون نفطي معها يمنحها أوراقاً إضافية في التوازنات الإقليمية. هذه الخطوة أيضاً تحمل رسالة ضمنية إلى واشنطن وحلفائها بأن العراق يمتلك مسارات بديلة لشراكاته الاقتصادية، حتى لو كانت تلك المسارات خارج المظلة الغربية.
وعن الرأي تركيا في هذا المشروع، يجيب الهلالي: دخول تركيا على خط هذا الملف يزيد المشهد تعقيداً، لأنها تعتمد منذ سنوات على خط جيهان التركي كمنفذ رئيسي لصادرات النفط العراقي، وأي مشروع بديل مثل خط بانياس، قد يقلل من حصة تركيا في تجارة الطاقة الإقليمية ويضعف ورقة الضغط التي تمتلكها على بغداد وأربيل، وقد ترى تركيا أن الخط الجديد يهدد دورها كممر إستراتيجي للطاقة بين الشرق الأوسط وأوروبا، ما قد يدفعها لطرح بدائل أو ممارسة ضغوط دبلوماسية وأمنية لإبطاء المشروع أو تعديل مساره.
ويختم الهلالي حديثه بالقول: إن الحكومة العراقية تسعى من خلال طرح هذا الاستثمار إلى تعزيز العلاقة مع دمشق لضمان أمن الحدود المشتركة وتقليل نشاط الجماعات المتطرفة، وإرسال إشارة سياسية بأن بغداد تتبنى سياسة انفتاح إقليمي لا تستثني أحداً، ما يعزز دورها كلاعب توازن في المنطقة، إضافة إلى رغبة بغداد بموازنة النفوذ التركي من خلال خلق بدائل إستراتيجية تقلل من الاعتماد على الممرات التي تسيطر عليها أنقرة.