تتباين التقديرات بشأن مستقبل التفاهمات الأميركية الإيرانية، وحدود الدور الإسرائيلي في التأثير عليها. فمنذ بدء المسار التفاوضي وحتى الإعلان عن "مذكرة التفاهم"، مؤخرًا، صعّدت حدة الخلافات على متن الخطاب السياسي بين واشنطن وتل أبيب.
توتر أميركي إسرائيلي
ورغم ما شهدته مناطق نفوذ "حزب الله" اليوم في جنوب لبنان من تصعيد إسرائيلي سبق أن طالب ترامب بالعدول عنه، فإن مسؤولا أميركيا، كشف عن توصل الحزب وإسرائيل إلى اتفاق بوقف إطلاق النار دخل حيز التنفيذ 4 مساء الجمعة بالتوقيت المحلي (13:00 بتوقيت غرينتش).
وبينما عدّ مراقبون تحدثوا لـ"المشهد" أن الإشارة أو الإلحاح على وجود خلافات جوهرية بين واشنطن وتل أبيب "مبالغ فيه"، وأن ما يظهر من تباينات لا يتخطى كونه عملًا تكتيكيًا و"إدارة للرسائل السياسية" لحساب أهداف محددة، فإن آخرين ألمحوا إلى وجود خطر رئيس على أي اتفاق، يتمثل في محاولات إسرائيل المحتملة وحلفائها داخل الولايات المتحدة عرقلته أو تقويضه.
التحدي الأهم
في المقابل، عرج فريق ثالث تحدث لـ"المشهد" على وصف التحدي الأهم بأنه لا يتعلق بإسرائيل بقدر ما يرتبط بطبيعة الاتفاق المؤقت نفسه وبالشكوك العميقة حيال التزام إيران ببنوده وآليات تنفيذه.
وخلصت المصادر إلى أن مصير التفاهمات لن يتحدد فقط بموازين القوى بين واشنطن وتل أبيب، بل بقدرة الإدارة الأميركية على إدارة الضغوط الداخلية والخارجية، وبمدى استعداد طهران للوفاء بالاستحقاقات التي تفرضها أي تسوية طويلة الأمد.
خلافات جوهرية
وفي حديثه لـمنصة "المشهد"، قال مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية توم حرب، إن ما يُتداول بشأن وجود "خلافات جوهرية" بين واشنطن وتل أبيب بخصوص إيران لا يعدو كونه "لعبة أدوار سياسية"، مؤكدًا أن التنسيق العسكري والأمني والاستخباراتي بين واشنطن وتل أبيب يجري بأعلى درجات الانسجام والتقارب.
وأوضح حرب أن أي مواقف أو تصريحات تصدر عن ترامب وتوحي بوجود تباين مع نتانياهو، ينبغي النظر إليها في إطار إدارة "الرسائل السياسية"، وليس باعتبارها مؤشرًا على خلاف حقيقي بين الطرفين.
وأضاف مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، أن ترامب يتقن استخدام ما وصفه بـ"فن الصفقات"؛ حيث إن بعض تصريحاته الموجهة إلى إيران تهدف إلى إقناع الجانب الإيراني بوجود مساحة للتقارب مع الولايات المتحدة، أو على الأقل الإيحاء بأن العلاقة بين واشنطن وطهران قد تكون أكثر مرونة مما تبدو عليه العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.
نفوذ مؤثر
وبخلاف موقف سابقه، يقول المحلل السياسي الأميركي رائد جرّار، إن استمرار اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران مرهون بقدرة ترامب على حمايته من محاولات تقويضه المحتملة من جانب نتانياهو.
وأوضح جرّار في تصريح لمنصة "المشهد"، أن نتانياهو يمتلك نفوذًا مؤثرًا داخل الكونغرس الأميركي، وقد سبق له أن استخدم هذا النفوذ للضغط على رؤساء أميركيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي على حد سواء.
وأضاف أن اتفاق التهدئة مع إيران يُعد في الأساس "اتفاق ترامب"، مشيرًا إلى أن الأخير يملك أوراق ضغط على إسرائيل تفوق ما تمتلكه الأخيرة من أدوات تأثير عليه. ورأى أن السؤال المطروح لا يتعلق بقدرة نتانياهو على تقويض الاتفاق، بل بمدى استعداد ترامب لفرض كلفة سياسية أو عملية على أي خطوات إسرائيلية من شأنها إضعافه.
وتابع جرّار أن مؤشرات على محاولات إسرائيلية لعرقلة مسار التهدئة ظهرت بالفعل، من خلال التصعيد في لبنان، محذرًا من أن الاتفاق سيظل عرضة للانهيار في أي لحظة إذا لم تتخذ واشنطن موقفًا حازمًا تجاه أي تحركات إسرائيلية قد تؤدي إلى تقويضه.
وختم حديثه قائلًا إن مصير الاتفاق يتوقف في نهاية المطاف على استعداد إدارة ترامب للجم أي محاولات إسرائيلية لنسفه، وإلا فإنه قد ينهار مع أي ضربة جوية إسرائيلية جديدة.
قناعة ترامب
ومن جهته، يرى المحلل السياسي زياد سنكري أن ترامب قد وصل لقناعة باعتبار نهج التفاوض وسياسة الاحتواء الذي اعتمدته الإدارات الأميركية السابقة تجاه إيران هي "الخيار الأكثر جدوى سياسيًا"، وذلك بعد إخفاق الرهانات التي روّجت لها إسرائيل بشأن إمكانية إضعاف النظام الإيراني، أو دفعه نحو التفكك من خلال استهداف قياداته العسكرية والأمنية.
وأوضح سنكري في تصريح لمنصة "المشهد"، أن هذا الإخفاق منح طهران "ورقة ضغط إستراتيجية" تمثلت في قدرتها على توظيف مضيق هرمز كورقة نفوذ مؤثرة على الاقتصاد العالمي؛ حيث إن تداعيات هذه الورقة تجاوزت من حيث التأثير الاقتصادي والسياسي، ما يمكن أن يوفره امتلاك السلاح النووي بحد ذاته.
وبحسب سنكري، فالتفاهمات الأميركية الإيرانية أثارت امتعاضًا داخل الأوساط الإسرائيلية وبين عدد من الجمهوريين المتشددين في الكونغرس، حيث تصاعدت الأصوات الرافضة لأي اتفاق يُنظر إليه على أنه يمنح طهران مكاسب سياسية أو إستراتيجية. لكنه رأى أن تمسك ترامب بمسار الاتفاق، إلى جانب نفوذه القوي داخل القاعدة الجمهورية، سيحدّ من قدرة المعارضين على التأثير في مساره خلال المرحلة القريبة.
لبنان ساحة توترات محتملة
وفي ما يبدو أن لبنان قد يتحول إلى إحدى الساحات التي يمكن أن تُستخدم لخلق توترات من شأنها التأثير على مسار التفاهمات، في ظل سعي نتانياهو إلى إبقاء أوراق ضغط إقليمية فاعلة من دون الدخول في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأميركية، وفق سنكري.
كما شدد على أن عددًا من صقور الحزب الجمهوري، المرتبطين بعلاقات وثيقة مع الأوساط الداعمة لإسرائيل وجماعات الضغط المؤيدة لها، يراهنون على أن تلجأ إيران إلى المناورة أو المماطلة خلال المفاوضات، وهو ما قد يثير استياء ترامب المعروف برغبته في تحقيق نتائج سريعة وعدم ميله إلى المفاوضات الطويلة والمعقدة.
وتابع: "نتانياهو يتبع إستراتيجية تقوم على ممارسة الضغط من داخل الساحة السياسية الأميركية، عبر تشجيع الأصوات المعارضة لأي تنازلات تجاه إيران، بهدف التأثير في موقف الإدارة الأميركية ودفعها إلى تبني مواقف أكثر تشددًا".
التهديد الأكبر
بالمحصلة، فإن التهديد الأكبر الذي يواجه "مذكرة التفاهم" لا يتمثل في نتانياهو، بل في الطبيعة المؤقتة للاتفاق نفسه والقضايا الجوهرية العالقة المتعلقة بالالتزام الإيراني، وآليات التحقق والتنفيذ وتفسير بنوده، كما توضح المحللة السياسية الأميركية عضو الحزب الجمهوري إيرينا تسوكرمان.
وتقول تسوكرمان في تصريح لمنصة "المشهد"، إن نتانياهو يتمتع بنفوذ سياسي معتبر داخل واشنطن، لكنه يواجه حدودًا عملية لهذا التأثير، خصوصًا أن الاتفاق جرى التوصل إليه في ظل إدارة جمهورية، ما يجعل كثيرًا من الجمهوريين المتحفظين على الاتفاق أقل ميلًا لمعارضة رئيس من حزبهم بشكل مباشر.
شكوك الكونغرس
وأضافت أن الشكوك داخل الكونغرس تتجاوز نفوذ نتانياهو أو جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل؛ إذ تتركز حول قضايا مثل تخفيف العقوبات، آليات الرقابة والتفتيش، ثم مخزونات اليورانيوم، وكذلك احتمالات عدم التزام إيران بتعهداتها، وهي مخاوف متجذرة في تجربة طويلة من التعامل مع الملف الإيراني.
وأردفت: "المذكرة الحالية ليست تسوية نهائية، بل إطار سياسي مؤقت يهدف إلى إفساح المجال أمام مفاوضات لاحقة، بينما جرى تأجيل معظم القضايا الخلافية الأساسية، الأمر الذي يفسر استمرار حالة التشكك داخل الكونغرس".
وشددت تسوكرمان على أن التحدي الحقيقي يكمن في طبيعة النظام الإيراني نفسه، مشيرة إلى أن كثيرًا من المنتقدين يشككون في استعداد طهران للقبول بقيود طويلة الأمد تمسّ سياسات تعتبرها ضمن منظومتها الأيدولوجية وأدوارها الإستراتيجية بالمنطقة ومنها الاعتماد على الوكلاء الميلشياويين، وبالتالي ضبط سلوكها السياسي والإقليمي.