تعود القاهرة اليوم إلى واجهة المشهد الإقليمي، كمنصة لتنسيق الدعم الدولي للجيش اللبناني في لحظة داخليّة شديدة الحساسية والتعقيد تخيّم على الدولة اللبنانية.
فبين مصر ولبنان حراك غير مسبوق لترتيب أوراق المؤسسات العسكرية والأمنية اللبنانية، وذلك من خلال استضافة القاهرة اجتماعاً تحضيرياً رفيع المستوى قبل التوجه إلى مؤتمر باريس، الذي سيعقد في الـ5 من الشهر المقبل لدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.
ويكتسب اجتماع القاهرة الذي عقد اليوم بمقر وزارة الخارجية المصرية أهمية خاصّة، بعد رفع مستوى التمثيل من الدول المعنية المشاركة في اللجنة الخماسية والتي تضم (مصر، والسعودية، وقطر، وفرنسا، والولايات المتحدة الأميركية)، وبعض الدول الأوروبية مثل (ألمانيا، وإيطاليا، وبريطانيا، وإسبانيا) إضافة إلى المنسقة الخاصة للأمم المتحدة في لبنان جانين بلاسخارت، وممثلي جامعة الدول العربية وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL).
بيان رسمي
المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية المصرية السفير تميم خلاف أكد في بيان رسمي عقب الاجتماع، أن أعمال الاجتماع تضمنت 3 جلسات عمل رئيسية، خُصصت الأولى لاستعراض الاحتياجات العملياتية العاجلة للجيش اللبناني وسبل تعزيز قدراته الدفاعية، بينما ركزت الجلسة الثانية على المتطلبات المؤسسية واللوجستية لقوى الأمن الداخلي، وصولاً إلى الجلسة الختامية التي تناولت آليات التنسيق والترتيبات النهائية لمؤتمر باريس.
وأشار خلاف إلى أن المناقشات شهدت تأكيد المشاركين على دعمهم الكامل للجهود التي يبذلها الجيش وقوى الأمن الداخلي في ظل الظروف الراهنة، ومؤكدين التزامهم بحشد الدعم الدولي اللازم لتوفير الموارد المالية والفنية التي تمكن الدولة اللبنانية من بسط سيادتها الحصرية على كامل أراضيها.
مطالب لبنانية
ووفقاً لمصادر مطلعة لمنصة "المشهد" فإن قيادات المؤسسات الأمنية اللبنانية التي شاركت في اجتماع القاهرة، وفي مقدمتهم العماد رودلف هيكل قائد الجيش اللبناني، واللواء رائد عبد الله المدير العام لقوى الأمن الداخلي، قدموا سلة متكاملة من الاحتياجات أمام الدول المعنية، تنوعت بين مطالب لوجستية تشمل الأجهزة التقنية والمعدات لتعزيز القدرات العملية، فضلاً عن الدعم المالي اللازم لضمان الاستمرارية.
وأضافت المصادر أن هذا الاجتماع التحضيري سيحدد بشكل مسبق حجم المساعدات التي من الممكن أن يحصل عليها الجيش اللبناني والقوى الأمنية، كما سيكشف ما إذا كانت هناك نية حقيقية لدى الدول المانحة لتقديم الدعم، إضافة إلى تقدير نوعية وحجم المساهمات مما يجعله مؤشراً مباشراً على نتائج مؤتمر الدعم في باريس.
محطة مفصلية
ومن جهته، وصف المتخصص في الشؤون العربية مراد فتحي في حديثه لـ"المشهد": "اجتماع القاهرة التحضيري الذي عقد اليوم بالهام، ويعول عليه كثيرون باعتباره محطة مفصلية تسبق مؤتمر باريس لدعم الجيش اللبناني، وذلك نظراً للدور الذي سيؤديه في رسم معالم المساعدات الدولية المرتقبة وتحديد مستوى الالتزام الفعلي للدول المشاركة".
وأوضح أن هناك تنسيقاً كبيراً بين مصر والدول العربية والأوروبية المعنية بتقديم الدعم للبنان، من أجل العمل على تنفيذ ما تم الاتفاق عليه في رؤية الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، فيما يتعلق بدعم الدولة اللبنانية وحصرية السلاح في يد الحكومة، وهو ما يتطلب الدعم اللازم لقوات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي، وبالتالي جاءت أهمية العمل على استضافة القاهرة التحضيرات اللازمة للمؤتمر المزمع عقده في باريس الشهر الجاري، لتقديم الدعم اللازم للطرفين الأساسيين في لبنان وهما قوات الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي.
أهداف اجتماع القاهرة
ويرى فتحي أن أهمية اجتماع القاهرة التحضيري تكمن في ضمان الخروج بمخرجات جيدة ودعم مالي ولوجستي قوي للمؤسسات المعنية الرسمية داخل لبنان، من أجل مواجهة التحديات الجسام التي تواجه الساحة اللبنانية، والتي على رأسها حصرية السلاح وكذلك تنفيذ المراحل التالية بعد نجاح المرحلة الأولى لجنوب نهر الليطاني.
وذكر أن هناك عددا من الأهداف الرئيسية والهامة لتحضيرات القاهرة حيث كان من أبرزها الآتي:
- تنسيق مواقف الدول المشاركة.
- صياغة خطة كاملة من أجل دعم الجيش اللبناني.
- حشد أكبر دعم دولي ممكن للمؤسسات اللبنانية الشرعية كبداية لتثبيت الاستقرار في لبنان.
- رفع توصيات لمؤتمر باريس بناء على ما سيقدمه قائد الجيش اللبناني من احتياجات ومتطلبات للمؤسسة العسكرية.
دلالات مهمة
ولفت المتخصص في الشؤون العربية إلى أن الزخم الكبير الذي حظيّ به اجتماع القاهرة التحضيري، يعد إشارة إيجابية قوية إلى جدية المجتمع العربي والدولي في دعم المؤسسات الأمنية اللبنانية، خصوصًا الجيش ومساندته في المسؤولية التي يحملها على عاتقه في هذه المرحلة الصعبة من عمر الدولة اللبنانية.
وأكد أن المشاركة الدولية في هذا الاجتماع تعد أمراً أساسياً لأن هناك دولًا كثيرة لها قوات ضمن قوات اليونيفيل العاملة في الجنوب اللبناني، كما أن هناك آلية خاصة تسمى بالمجموعة الأساسية لآلية التنسيق العسكري تضم (فرنسا، والولايات المتحدة الأميركية، وإيطاليا، وبريطانيا، وإسبانيا) بالإضافة إلى ممثلين عن جامعة الدول العربية والأمم المتحدة ومكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان وكذلك جهاز العمل الخارجي الأوروبي، ومن ثم فإن هناك آلية تجمع كل هذه القوى فيجب عليها أن تجتمع وتحضر للمؤتمر القادم في باريس.
التضامن الدولي
ومن ناحيته، أكد خبير العلاقات الدولية الدكتور سيد المكاوي على ضرورة وجود تضامن إقليمي ودولي للدولة اللبنانية في هذه المرحلة، من أجل حسم مسألة حصر السلاح، والعمل على إجبار قوات الجيش الإسرائيلي على الانسحاب من النقاط الـ5 في جنوب لبنان والتي قامت باحتلالها خلال الحرب الأخيرة، مشيراً إلى أهمية مساندة لبنان من أجل العمل على عودة الأمن والاستقرار، وتنفيذ خطة الدولة اللبنانية التي أعلنت في سبتمبر من العام الماضي.
وحذّر مكاوي من خطورة استمرار الانتهاكات الإسرائيلية للسيادة اللبنانية، موضحاً أن استمرار هذه الانتهاكات سيعمل على إضعاف قدرة الجيش اللبناني على استكمال تنفيذ خطة حصرية السلاح، مطالباً بحتمية الالتزام بتنفيذ اتفاق وقف العدائيات وقرار مجلس الأمن رقم 1701 بشكل كامل ومتزامن ومن دون انتقائية.