كشفت إسرائيل عن خطة مثيرة للجدل، تعتزم من خلالها إقامة "غيتو" للفلسطينيين على أنقاض مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، بحيث تتمسّك بخريطة انسحاب تُبقي رفح تحت سيطرتها، وتكون منطقة تركيز للنازحين، ما يعقّد جولة المفاوضات الحالية، ويكرّس مشروع التهجير القسري للسكان الفلسطينيين، الذين يعتبرون الخطة "تطهيراً عرقياً"، ويطلق عليها خبراء حقوقيون "جريمة ضد الإنسانية".
وتهدف إسرائيل إلى حشر أكثر من 600 ألف فلسطيني في منطقة مغلقة، ومنعهم من المغادرة، وفرض فحوصات أمنية صارمة كشرط لدخولها، مما يثير تساؤلات حول مدى "إنسانية" هذا المشروع في ظل غياب ضمانات الحرية والعودة.
خريطة الانسحاب الإسرائيلي
تشير المصادر الإسرائيلية إلى أن خريطة الانسحاب الإسرائيلي التي عرضها الوفد الإسرائيلي المفاوض في الدوحة، تسعى لإبقاء مدينة رفح بالكامل تحت السيطرة الإسرائيلية، وتشير المعطيات المتقاطعة إلى أن الخريطة ستأخذ نحو 40% من مساحة قطاع غزة، وأوردت القناة 12 الإسرائيلية أن "الحكومة تريد إنشاء مخيم للاجئين يضم مئات الآلاف من الفلسطينيين، استعداداً لترحيلهم المحتمل (تهجيرهم) لاحقاً".
ولكشف المزيد من التفاصيل والمواصفات لخريطة الانسحاب الإسرائيلي، يقول المحلل السياسي الإسرائيلي إيلي نيسان لمنصة "المشهد" إن "خطة الانسحاب الإسرائيلي تقوم على عزل السكان المدنيين عن هيمنة عناصر حركة حماس المسلحين والفصل بينهم، لضمان سلامة المدنيين في مكان معين من دون وصول العناصر المسلحة إليهم، وتقديم المساعدات الإنسانية كالمياه والأغذية والأدوية، وكل من سيبقى خارج هذه المدينة سيُعتبر عنصراً مسلحاً وجهة معادية بالنسبة للجيش الإسرائيلي، وسيتم محاربته".
وتابع نيسان "من جهة القانون الدولي، هذا يعني أن إسرائيل حمت السكان في مكان آمن بعيد عن مناطق القتال، وتجميعهم في منطقة رفح يعني أنه في المستقبل ستكون إحدى الحلول إمكانية توطينهم خارج قطاع غزة بمحض إرادتهم، وستُمنح لهم إمكانية الهجرة، أما من يرغبون بالبقاء فسيكون الحل انتظار إعادة إعمار قطاع غزة".
ومع هذا، تثير هذه الخطة بعض التساؤلات الإسرائيلية على المستوى العملياتي حول إمكانية تنفيذها وعواقبها، وتعارضها مع القانون الدولي. وقد شبّه صحافيون ومحللون إسرائيليون فكرة الخطة بما كان يحدث في "الغيتوهات" بفترة الهولوكوست.
ويعتقد الخبير العسكري الإسرائيلي إيال عليما، في حديثه لـ"المشهد"، أن "مشروع الخطة غير سليم وغير قابل للتطبيق، ومن غير الممكن تنفيذه على أرض الواقع، ولن يحل ملف الحرب الشائك برمّته. ولأسباب عسكرية، من المستحيل تجميع مئات الآلاف من السكان في منطقة معينة ضمن فترة زمنية محددة، لأنه سيكون على حساب النشاط العسكري وجهود الجيش الإسرائيلي المتعب والمنهك أصلاً منذ اندلاع الحرب، من أجل القيام بهذه المهمة الشاقة".
وأضاف أن "التنفيذ سيكلّف الخزانة الإسرائيلية أموالاً طائلة، ومن الناحية السياسية، هذا اقتراح من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لإرضاء الجهات المتطرفة في حكومته، لمواصلة البقاء والحفاظ على الائتلاف الحكومي المتشدد الراهن، وهو بمثابة ورقة ضغط على مسار المفاوضات، ووسيلة من ضمن الوسائل التكتيكية لممارسة الضغوط على حماس لتليين موقفها في المفاوضات، ورفع سقف المطالب الإسرائيلية وفرض وقائع جديدة على الأرض قبل أيّ اتفاق نهائي".
المدينة الإنسانية.. تهجير مقنّع
وفي هذا الإطار، يوضح الباحث والمحلل السياسي من قطاع غزة إياد الفرا لـ"المشهد"، أن "فكرة التهجير حاضرة في منهجية الحكومة الإسرائيلية اليمينية المتطرفة للتخلص من الفلسطينيين، وفيها استدعاء للمخططات الإسرائيلية منذ سنوات طويلة، على اعتبار أن أهالي قطاع غزة صداع وإزعاج لإسرائيل، خصوصًا منذ 7 أكتوبر، وما تُسمى المدينة الإنسانية هي محاولة لإضفاء شرعيّة على وقائع ميدانية خطيرة، لتحويل رفح إلى منطقة تجميع كبرى لعشرات الآلاف من النازحين، تمهيداً لدفعهم نحو الخروج من قطاع غزة، عبر البحر أو حدود غزة مع مصر، وفرض منطقة عازلة بعمق يصل إلى 3 كيلومترات على طول حدود القطاع".
وأوضح أن "هذه سيطرة فعلية على نحو 40% من مساحة غزة، ومصادرة أجزاء واسعة من المدن والبلدات شمالاً ووسطاً وجنوباً، مع إبقاء أكثر من 700 ألف فلسطيني بعيدين عن مناطقهم الأصلية، وبالتالي تُكرَّس سياسة التهجير الجماعي".
ويرى الفرا أن الخطة جزء من إستراتيجية إسرائيلية طويلة الأمد لإفراغ غزة من سكانها، بعد تدمير 86% من مساحتها، وأن توقيت الإعلان يهدف للضغط على الفلسطينيين لقبول شروط إسرائيلية. وأضاف بأن إسرائيل "تريد أن تشغل الفلسطينيين في قضايا لم تكن جزءاً من عملية التفاوض، من خلال إقامة ما تُسمى مدينة رفح الإنسانية كورقة للتفاوض مع حركة حماس".
ولفت الفرا إلى أنه "يجب أن ندرك أن لا إسرائيل ولا جيشها لديهما القدرة الآن على إقامة مدينة تضم نصف مليون إنسان، لأنها تحتاج إلى إمكانيات ضخمة وجهد كبير ودعم دولي، ونموذج مؤسسة المساعدات اللاإنسانية الأميركية فشل في أن يكون جزءاً من هذه الحالة، وعملياً فرغ من دوره، وبقيت فقط حالات القتل للمجوعين".
"لن ننزح والتهجير سيفشل"
وتواصلت "المشهد" مع العديد من سكان غزة، أغلبهم ينزحون في مناطق مختلفة، مؤكدين رفضهم القاطع لخوض تجربة النزوح مرة أخرى، على الرغم من الأحوال المعيشية المتردية بفعل استمرار الحرب والتشريد والجوع وانقطاع سبل الحياة. وعبروا عن رغبتهم في فشل خطة التهجير التي تسعى إسرائيل لتطبيقها في مدينة رفح الحدودية.
وتحدث بعض النازحين الموجودين في منطقة مواصي خان يونس لـ"المشهد"، بأنهم لن يكرروا التجربة ذاتها المليئة بالألم والحرمان. يقول الخمسيني رائد صالح: "عشنا تجارب مريرة وقاسية، خلال الأشهر الأولى للحرب وحتى اليوم، في مناطق النزوح التي صنفها الجيش الإسرائيلي بالمناطق الآمنة، بل كانت أماكن للقتل والترويع وتنفيذ المجازر بحق الآلاف من الفلسطينيين".
وترفض السيدة الأربعينية خلود أبو صفية، خلال حديثها لـ"المشهد"، النزوح مجدداً والذهاب نحو المنطقة الإنسانية التي تحددها إسرائيل وتتحدث عنها مؤخراً في مدينة رفح، وتقول: "إسرائيل تتحدث عن منطقة آمنة، وأنها ستزودنا بالطعام والشراب. لا أصدق ذلك، وبكل تأكيد لن أذهب أنا وعائلتي نحو مقصلة جديدة لقتلنا وتجويعنا وتهجيرنا خارج القطاع من بوابة رفح".
وتردف السيدة أبو صفية قائلة: "الخطة الإسرائيلية الجديدة المراد منها قتلنا أو تهجيرنا، ستفشل ولن تنجح".
ويعتبر النازح من منطقة جباليا المقيم في مدينة غزة، سمير صافي، في حديثه لـ"المشهد"، أن "الخطة التي تروّج لها إسرائيل مؤخراً، لإقامة مدينة إنسانية على أنقاض مدينة رفح، ليست إلا وجهاً من وجوه التهجير والتشريد بحق مصير الفلسطينيين في قطاع غزة، ومحاولة إسرائيلية مكشوفة لتجميع أكبر عدد من العائلات الفلسطينية للقضاء عليهم بالتجويع والقصف".
مضيفاً: "سنقاوم وسنرفض كل المخططات الإسرائيلية، على الرغم من الضغط العسكري والقصف الشديد الذي سيمارس ضدنا".