تأتي زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن وسط تحولات سياسية تشهدها الساحة العراقية، في مقدمتها حملة الاعتقالات واسعة النطاق المعروفة بـ "صولة الفجر" التي أطلقتها الحكومة العراقية نهاية يونيو الماضي لمكافحة رؤوس الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، والتي تزامنت مع عودة التصعيد بين طهران وواشنطن، وإعلان إيران رفضها التخلي عن العراق كساحة لنفوذها في المنطقة.
وقبيل زيارة الزيدي إلى واشنطن، التي ستنطلق يوم الاثنين المقبل، أعلنت "كتائب حزب الله العراقي"، و"سيد الشهداء"، و"النجباء"، رفضها تسليم السلاح واستمرارها في التدريب وتطوير قدرات مقاتليها، ما يتعارض مع موقف الحكومة العراقية التي أعلنت 30 سبتمبر المقبل موعداً نهائياً لتسليم السلاح بعد خروج قوات التحالف الدولي من البلاد.
وفي ظل التناقض بين خطاب الفصائل المسلحة وخطاب الحكومة، أعلنت وكالة الأنباء العراقية أن زيارة الزيدي للبيت الأبيض ولقاءه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليست مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل خطوة إستراتيجية لهندسة العلاقة بين بغداد وواشنطن، وأن أحد الأهداف المحورية للزيارة هي التأكيد على حصر السلاح بيد الدولة والعمل على إعادة هيكلة القوات المسلحة وضبطها ضمن القوانين النافذة.
وتزامن إعلان وكالة الأنباء العراقية عن أهداف زيارة الزيدي إلى البيت الأبيض، مع تقرير نشره معهد واشنطن للدراسات يؤكد ضرورة الاتفاق على خطوات عملية لتعزيز التعاون بين بغداد وواشنطن في الملاحقات القضائية وتبادل المعلومات الاستخباراتية بعد إنهاء مهمة التحالف الدولي، ما يطرح عدة تساؤلات حول قدرة الزيدي على إقناع ترامب بخطته لحل الفصائل المسلحة الموجودة على الأراضي العراقية.
ماذا سيعرض الزيدي على ترامب؟
وكشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد"، أن الزيدي سيطلب من ترامب المزيد من الوقت لإنهاء ملف الفصائل المسلحة، لأن تسليم السلاح موضوع شائك لا يمكن حله خلال عدة أشهر، لكن واشنطن رغم دعمها للزيدي لن تترك المدة الزمنية مفتوحة أمامه كما فعلت مع رئيس الحكومة السابق محمد شياع السوداني، وكانت النتائج أنه لم يتمكن من تغيير الواقع السياسي والأمني العراقي.
وأوضحت المصادر، أنه من ضمن الحلول التي يحملها الزيدي لواشنطن هو ترشيح مستشاره قاسم الأعرجي كوسيط بين الحكومة العراقية وواشنطن من جهة وبين الفصائل المسلحة الرافضة لتسليم سلاحها من جهة أخرى، في خطوة لإثبات جدّية الحكومة العراقية بإنهاء هذا الملف على عكس حكومة السوداني.
وبعد تسلّم الزيدي الحكومة العراقية منتصف مايو الماضي، أعلنت 3 فصائل مسلحة استعدادها لتسليم السلاح وهي "سرايا السلام"، "عصائب أهل الحق"، "كتائب الإمام علي"، بينما رفضت مجموعات أخرى أبرزها "كتائب حزب الله" و"سيد الشهداء" في مشهد يعكس الانقسام الواضح في صفوفها.
وعن هذه النقطة يقول الباحث في الشأن الإيراني الدكتور وجدان عبد الحميد، لمنصة "المشهد"، إن واشنطن تدرك أن الزيدي لن يتمكن وحده من إنهاء ملف الفصائل العراقية المقربة من إيران؛ لأنها جزء من المنظومة العسكرية الإيرانية، لكنها من خلال هذه الزيارة ستدعمه للقضاء على أذرع إيران في المنطقة، خصوصا بعد إعلان مجموعة من الفصائل العراقية استعدادها لتسليم أسلحتها في حين رفضت مجموعات أخرى تسليم السلاح، ما أدى إلى انقسام واضح فيما بينها، ستدعم واشنطن هذا الانقسام بما يسهّل على الزيدي مهمّته بعد عودته.
هل تُعيد الفصائل تشكيل نفسها؟
ولا تعتبر مسألة حصر السلاح بيد الدولة حديثة العهد أو مرتبطة بحكومة الزيدي، بل لطالما كانت من أبرز الملفات على طاولة رؤساء الحكومات السابقة منهم رئيس الحكومة السابق نوري المالكي الذي حلّت "منظمة بدر" في عهده نفسها (2003)، ثم دخلت في صفوف القوات الأمنية العراقية، وعادت في العام 2014 وأصبحت جزءاً من الحشد الشعبي، ما يكشف مدى تعقيد مسألة حل الفصائل العراقية المسلحة وحصر سلاحها بيد الدولة.
ويقول المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد"، إن واشنطن تدرك الضغوطات التي تمارسها الفصائل المسلحة على حكومة الزيدي، لذلك من الممكن أن تعطيه مزيداً من الوقت لكن لا بد أن يحقق تطورات ملحوظة على المستوى الأمني، سواء من خلال استمرار حملة الاعتقالات أو من خلال ضبط حركة باقي الفصائل المسلحة الرافضة لتسليم السلاح.
ويوضح القيسي، أن الزيدي بمفرده لن يتمكن من حل السلاح المنفلت، لأن قوة الميليشيات المسلحة تفوق قوة الجيش العراقي والأجهزة الأمنية وهذه التجربة نقلتها إيران وأسستها في العراق، وأصبحت الفصائل المسلحة جزءاً من الحشد الشعبي ولا يمكن الفصل بينهما، لذلك لا بد من وجود خطة أميركية تقدمها واشنطن للزيدي خلال زيارته.
وعن إمكانية استخدام القوة لإجبار الفصائل على حل نفسها، يجيب القيسي: "لا يمكن للحكومة العراقية استخدام القوة إلا بمساندة قوات أميركية، لأن الزيدي لا يمكنه محاربة حزب الله والنجباء وأنصار الله، بمفرده، بالتالي ستشهد زيارته لواشنطن خططا جديدة برعاية أميركية".
ويرى القيسي، أن "إيران لن تتنازل عن أذرعها في العراق، ولن تتخلى عن نفوذها وسيطرتها على الجانب العسكري والأمني في البلاد، كما أن لديها قاعدة شعبية داعمة لها داخل الشارع العراقي، لاحظنا ذلك خلال تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي، ما سيعقّد المسألة أمام الزيدي، وسينتج مزيداً من الخطط الإستراتيجية الأميركية لإنهاء النفوذ الإيراني في العراق".
والفصائل المسلحة متغلغلة بحسب القيسي، بعمق مؤسسات الدولة، وتتلقى رواتب من خزينتها وتُدير مشاريع اقتصادية، ورغم محاولات دمج هذه الفصائل ضمن القوات العراقية المسلحة على مدار الحكومات السابقة، إلا أنها نجحت بإعادة تشكيل نفسها والعمل كدولة داخل دولة.
هل تعود إيران للمشهد العراقي؟
وحول إمكانية عودة إيران إلى المشهد السياسي العراقي، يقول أستاذ العلاقات الدولية في جامعة الموصل الدكتور فراس إلياس لمنصة "المشهد"، إنه من المهم التمييز بين تراجع النفوذ الإيراني وانهياره، وما يجري في العراق اليوم أقرب إلى إعادة تشكيل النفوذ الإيراني وليس نهايته، فإيران ما زالت تمتلك أدوات سياسية وأمنية واجتماعية واقتصادية واسعة، لكنها فقدت جزءاً من قدرتها على فرض إرادتها كما كان الحال بين عامي 2014 و2023، خصوصا بعد حرب 2026 وما رافقها من تغيرات دولية.
وتسعى إيران، بحسب إلياس، إلى إعادة ترتيب أولوياتها وتغيير طريقتها في إدارة ملفاتها الإقليمية بما يتناسب مع المستجدات التي طرأت على القوى الشيعية العراقية التقليدية المقرّبة منها وانقسامهم حول نفوذها في البلاد. مما دفعها لنقل جزء من نفوذها المباشر إلى النفوذ التفاوضي للحفاظ على الحد الأدنى من مصالحها بدلاً من توسيعها.
ويرى إلياس، أن سيناريو الحل السريع لملف الفصائل الذي تتداوله وسائل الإعلام لا يمكن للزيدي تطبيقه، لأنه قد يفتح باب مواجهة داخلية لا تبدو الحكومة ولا القوى السياسية راغبة فيها، أما السيناريو المرجح الذي سينفذه الزيدي بعد عودته من واشنطن فهو إعادة هيكلة الفصائل وليس حلّها.
والتحدي الأبرز الذي سيواجه رئيس الحكومة ليس أمنياً فقط بل سياسي أيضاً، فإذا حصل على توافق داخلي ودعم أميركي وإقليمي مع قبول إيراني ضمني بعدم التصعيد، فقد ينجح في تقليص النفوذ العسكري للفصائل بصورة تدريجية. أما إذا اختل أحد هذه العناصر، فقد يتباطأ المشروع أو يتحول إلى تسوية جزئية بدلاً من التغيير الجذري.
ويختم الدكتور فراس إلياس حديثه بالقول، إن نجاح الزيدي في مهمته لن يقاس بعدد الفصائل التي تُحل، بل بقدرته على تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة:
- منع استخدام السلاح خارج قرار الدولة.
- المحافظة على الاستقرار الداخلي ومنع الصدام الشيعي - الشيعي.
- إدارة العلاقة مع إيران من دون تحويل العراق إلى ساحة مواجهة جديدة بينها وبين الولايات المتحدة.