ثروة جيفري إبستين
وتضيف أن الثراء جذب إليه أصحاب الثروات والنخب الباحثة عن النفوذ، ومكّنه من نسج شبكة علاقات واسعة مع رجال أعمال وسياسيين وشخصيات مؤثرة.
ويرى مراقبون أن حجم ثروته لعب دورا حاسما في تمكينه من ارتكاب جرائمه، فيما لا تزال ملابسات مصادر أمواله تثير تساؤلات حتى بعد وفاته.
ويشير التحقيق إلى أن أصول إبستين امتدت في ذروة نفوذه إلى أكبر منزل سكني في مانهاتن، وجزيرتين خاصتين في الكاريبي، و3 طائرات خاصة.
غير أن السؤال الذي ظل مطروحا حسب الشبكة، هل جاءت هذه الإمبراطورية نتيجة مهارة مالية مشروعة، أم أنها استندت إلى أساليب أكثر قتامة، مثل الابتزاز المقنّع بخدمات استشارية مالية، أو استدراج شخصيات نافذة لخدمة مصالح خفية؟
كم بلغت ثروته؟
وتشير وثيقة وقعها إبستين قبل يومين فقط من انتحاره في عام 2019، إلى أن قيمة تركته بلغت نحو 580 مليون دولار قبل احتساب الضرائب والالتزامات.
وأُنشئ صندوق ائتماني حمل اسم "1953 تراست" يُعتقد أنه إشارة إلى سنة ميلاده، لإخفاء هوية المستفيدين، بخلاف الوصايا التقليدية.
وأظهرت نسخة من الوثائق أفرجت عنها وزارة العدل الأميركية، مع بعض التنقيحات، أن أكثر من 40 شخصًا كانوا مرشحين للحصول على ملايين الدولارات لكل منهم، بينهم شريكته السابقة غيسلين ماكسويل التي خُصص لها نحو 10 ملايين دولار.
من التدريس إلى وول ستريت
وُلد إبستين في نيويورك، ووُصف في شبابه بأنه متفوق في الرياضيات، لكنه لم يُكمل دراسته الجامعية.
واتجه إلى التدريس في مدرسة خاصة يرتادها أبناء النخبة، رغم افتقاره للمؤهلات، حسب التقرير.
وبعد فصله من المدرسة، حصل على فرصة عمل في بنك الاستثمار العملاق "بير ستيرنز" بفضل علاقة مع أحد كبار المسؤولين التنفيذيين الذي كان أطفاله يدرُسون هناك.
وشكّلت تلك الوظيفة حسب تحقيق سكاي نيوز، نقطة الانطلاق الحقيقية لمسيرته المالية.
وعمل إبستين في البنك 5 سنوات وصعد بسرعة في المناصب، قبل أن يغادر عام 1981 بعد مخالفة تداول كلّفته غرامة مالية.
وكان قد صرّح للجهات التنظيمية بأنه يتقاضى حينها أكثر من 200 ألف دولار سنويا، وهو مبلغ كبير بمعايير تلك الفترة.
غموض مصادر دخله
ومنذ مغادرته "بير ستيرنز" بدأت أنشطته المالية تتسم بقدر كبير من السرية، فقد أسس شركات غير مدرجة في البورصة، ما حدّ من شفافية بياناتها.
وأطلق حسب معطيات التحقيق شركة خاصة لاسترداد الأموال لعملاء أفراد، وقيل إن بينهم حكومات أجنبية، كما عمل مستشارا لدى "تاورز فاينانشال"، التي كُشف لاحقا أنها كانت "مخططا احتياليا"، دون أن يُوجَّه إليه اتهام.
وفي عام 1988 أسس "J Epstein & Company"، التي تحولت لاحقا إلى "فاينانشال تراست" بعد نقل عملياته إلى جزر فيرجن الأميركية، المعروفة بكونها ملاذا ضريبيا.
ثم أطلق "ساوثرن تراست" عام 2011، والتي أصبحت مصدر دخله الرئيسي.
من أين جاءت الملايين؟
وظلّت شرعية أرباح إبستين، التي جُمعت إلى حد كبير من دون ضرائب، موضع شك حسب التحقيق.
فقد كان يقدّم نفسه "مستشارا"، ما أتاح له تفادي قيود تنظيمية مفروضة على المحامين والمحاسبين والمستشارين الماليين.
وكشف تحقيق لمجلة "فوربس" أن مصدر الجزء الأكبر من رسومه جاء من عميلين رئيسيين، هما الملياردير الأميركي ليز ويكسنر مالك "فيكتوريا سيكريت" الذي دفع له نحو 200 مليون دولار قبل قطع العلاقة عام 2007.
والعميل الثاني حسب التحقيق، هو ليون بلاك الشريك المؤسس لشركة "أبولو غلوبال مانجمنت"، الذي يُعتقد أنه دفع له 170 مليون دولار مقابل خدمات تتعلق بالتخطيط الضريبي وإدارة الثروات.
ووفق "فوربس"، حصل إبستين على ما لا يقل عن 360 مليون دولار كأرباح من شركاته بين 1999 و2018، ووفّر لنفسه نحو 300 مليون دولار عبر المزايا الضريبية في جزر فيرجن.
خلافات وخسائر
ولم تخلُ مسيرت إبستين من الأزمات حسب التقرير، فقد أشار مدعون أميركيون إلى أن ويكسنر تلقى عام 2008 دفعة بقيمة 100 مليون دولار من إبستين، بعد اتهامات بسرقة أموال وشراء عقارات من محفظته بأسعار مخفضة أثناء توليه إدارة شؤونه المالية.
كما تكبّد خسائر كبيرة خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، بعدما استثمرت شركته في صندوق تابع لـ "بير ستيرنز" انهار مع البنك.
وسجّلت "فاينانشال تراست" خسائر صافية بلغت 166 مليون دولار بين 2008 و2010.
شبهات ابتزاز
وكشف تحقيق للاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين أن ثروته كانت تُدار عبر شبكة شركات وهمية في ملاذات ضريبية، ما زاد من صعوبة تتبع مصادر الأموال.
وزادت وثائق وزارة العدل من الشبهات بشأن استخدامه الابتزاز كوسيلة لتعزيز دخله، عبر تصوير ضيوفه في ممارسات جنسية داخل ممتلكاته، ثم الضغط عليهم لإبرام صفقات أو تحويل أموال.
ومع ذلك، لا تشير الأدلة المنشورة إلى ارتكاب أي مخالفات من جانب الأسماء التي ارتبطت به ماليا.
وأفاد بنك "جي بي مورغان"، الذي احتفظ بإبستين كعميل بين 1998 و2013، بأنه رصد بعد وفاته معاملات مالية مشبوهة تتجاوز قيمتها مليار دولار.
وذكرت نيويورك تايمز كذلك، أن آلاف التحويلات ربما ساهمت في "تسهيل عمليات الاتجار بالبشر".
لغز الثروة الغامضة
وعلى مدى سنوات، حاول صحفيون وخبراء تفكيك لغز ثروة إبستين.
ويبدو من مسيرته، أنه كان بارعا حسب التحقيق، في استغلال الثغرات القانونية وبناء علاقات نافذة لحماية نفسه.
ومع استمرار الدعاوى القضائية وتعويضات الضحايا وتكاليف التقاضي، قد تتآكل قيمة تركته، لكن كثيرين يعتقدون أن الصورة الكاملة لثروته ومصادرها الحقيقية لم تنكشف بعد حسب تحقيق سكاي نيوز، وأن فصولا أخرى من القصة قد تظهر مع مرور الوقت.