تواجه وثيقة التفاهم السياسي المقدّمة من حزبي تكتل القوى الديمقراطية واتحاد قوى التقدم، معارضة قوية من داخل صفوف المعارضة الموريتانيّة، التي عبّرت عن رفضها لهذه الوثيقة بوصفها "تصبّ في مصلحة النظام الحاكم".
وكان الحزبان المعارضان سبق أن عرضا على الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني وثيقة سياسية، يرون أنها الضامن لبقاء واستقرار موريتانيا، التي تواجه تحديات كبيرة في الوحدة الوطنية واللحمة الاجتماعية.
ولد غزواني حين عُرضت عليه هذه الوثيقة، قابلها بالموافقة والاستحسان، وكلّف الحكومة بنقاشها مع الحزبين، والتفاوض على الصيغة النهائية لها قبل التوقيع عليها من طرف الأطياف السياسية.
وإن كانت هذه الوثيقة مقدّمة من أعرق حزبين في موريتانيا، ولديهما تجربة كبيرة في النضال والممارسة السياسية في البلاد، إلا أنّ خطر الفشل يتهددها، في ظل معارضة قوية من طرف أحزاب المعارضة.
أبرز بنود الوثيقة
الوثيقة المثيرة للجدل لم تُنشر بعد بشكل رسمي بصيغتها النهائية، وإنما تمّ تسريب بعض البنود والنقاط التي جاءت فيها، وتتضمن:
- تقوية اللّحمة الاجتماعيّة.
- الحفاظ على الوحدة الوطنيّة من خلال القضاء على ممارسات الرقّ.
- الإصلاح الضروريّ لمؤسسات الدولة والحاجة إلى إرساء الحكم الرشيد.
ويدافع حزبا التكتل واتحاد قوى التقدم عن هذه الوثيقة، باعتبارها "الضامن لاستقرار موريتانيا وتعزيز الديمقراطية فيها"، مؤكدين أنّ جميع الأحزاب السياسية مدعوّة إلى التوقيع عليها.
في هذا السياق، يقول القيادي في حزب اتحاد قوى التقدم أحمد حافظ، إنّ هذه الوثيقة تعالج إشكال الوحدة الوطنية، والأوضاع المعيشية والاستقرار السياسي في البلاد.
وأضاف ولد حافظ في تصريح لمنصة "المشهد"، أنّ موريتانيا بحاجة إلى وثيقة للتفاهم السياسي، تتضمن حلولًا للقضايا الكبرى العالقة والتي تعيق تقدّم البلاد.
وأشار ولد حافظ إلى أنّ هذه الوثيقة تتضمن خريطة طريق تؤكد على أنّ الأغلبية والمعارضة هما الفاعلان الرئيسان للديمقراطية، ويتحملان في ما يخصها المسؤولية السياسيّة والأخلاقيّة عن كل ما يمكن أن يحدث للبلد، بسبب انعدام الرؤية وغياب التبصّر.
رفض المعارضة
ما إن تحرك الحزبان من أجل إقناع أحزاب المعارضة على تبنّيها والتوقيع عليها، حتى رفضت معظم هذه الأحزاب هذه الوثيقة، معتبرة أنه انقلاب انتخابي مسبّقا على الانتخابات الرئاسية في 2024.
واعتبرت هذه القوى السياسية أنّ هذه الوثيقة المقدمة من حزبي التكتل واتحاد قوى التقدم، تشكل "إدانة" لمن تقدّموا بها.
ويعتبر رئيس حركة "رفض" المعارِضة المختار ولد عبد الرحمن، أنّ هذه الوثيقة السياسية تعزّز "سلطة" النظام الحالي، وتكرّس نهج "الفساد والمحسوبية".
وقال ولد عبد الرحمن إنّ أطياف المعارضة بجميع توجهاتها، تدين هذه الوثيقة وترفضها، لأنها لم تتمّ صياغتها بناءً على النقاش مع الأحزاب السياسية وهيئات المجتمع المدني.
وأضاف في تصريح لمنصة "المشهد"، أنّ حزبي التكتل واتحاد قوى التقدم، لم يعد لديهما تأثير في الساحة السياسية، وفشلا في الانتخابات الأخيرة، لهذا لا يمكن الحديث عن وثيقة سياسية من دون أن تنخرط فيها الأحزاب المعارضة القوية، وهي ترفض هذه الوثيقة.
المعارضة الموريتانية في خطر
تُنذر هذه الوثيقة بخلافات قوية داخل صفوف المعارضة، وتهدد التحالف في ما بينها، خصوصا أنّ موريتانيا مقبلة على انتخابات رئاسية في العام المقبل، ورفضُ بعض الطيف المعارض لوثيقة التفاهم السياسي، سيهدد توحيد صفوفها وتقديم مرشح موحد ينافس الأغلبية الحاكمة.
ويرى الخبير في الشأن السياسي الموريتاني أحمد ولد عبد الله، أنه في ظل رفض قويّ من داخل أحزاب المعارضة للوثيقة السياسية، لن يتم تمريرها ولن يكون حولها إجماع.
وقال ولد عبد الله في تصريح لمنصة "المشهد"، إنّ أحزاب المعارضة الأخرى تُعدّ لاعبا مهمًا في المشهد السياسي الموريتاني، وتملك قاعدة شعبية كبيرة، ذلك ما أكدته الانتخابات المحلية التي جرت في مايو الماضي، وإذا رفضت التوقيع عليها سيُفقد الوثيقة الشرعية.
مفاوضات مع قيادة الإنصاف
وتجاوب حزب الإنصاف الحاكم سريعا مع الوثيقة السياسية، وأعلن عن إطلاق وشيك لمفاوضات بين قيادته وقيادتي حزب اتحاد قوى التقدم والتكتّل.
وقالت مصادر من داخل الحزب في اتصال مع منصة "المشهد":
- قيادة الإنصاف بدأت إجراء اتصالات مع الحزبين من أجل بدء المفاوضات حول وثيقة التفاهم السياسي.
- المفاوضات قد تنطلق شهر أكتوبر، وستركز على نقاش البنود التي جاءت في هذه الوثيقة.
- عدم استبعاد إجراء تعديلات وإدخال بعض النقاط عليها.
- أحزاب المعارضة يجب ألا تضيّع الوقت وتلتحق بالنقاشات حول هذه الوثيقة، التي ستحقق المزيد من المكاسب الديمقراطية.
التكتل يعتمد الوثيقة
وكان المكتب التنفيذي لحزب تكتل القوى الديمقراطية قد اعتمد الأحد الماضي، وثيقة التفاهم السياسي.
وقال الحزب في بيان، إنّ المكتب التنفيذيّ قرر تفويض رئيس تكتل أحمد ولد داداه للتوقيع على الوثيقة باسم الحرب.
وعن اعتماد حزب التكتل هذه الوثيقة في ظل الانقسام حولها والخلاف على جوهرها، يرى الكاتب الصحفي محمد أمين، أنّ هذا مؤشر على أنّ هذا الحزب ماضٍ في التوقيع عليها، على الرغم من رفضها من طرف المعارضة.
وقال ولد أمين لمنصة "المشهد":
- التكتل واتحاد قوى التقدم سيشقان طريقهما بعيدا عن المعارضة، وسيوقّعان على هذه الوثيقة إلى جانب حزب الإنصاف الأغلبية، والحكومة.
- أحزاب المعارضة الأخرى قد لا تقتنع بهذه الوثيقة وتتبنّاها، خصوصا أنّ بعضها على خلافات تاريخية مع حزبي التكتل واتحاد قوى التقدم.
في المقابل، يتوقع الخبير في الشأن السياسي أحمد عبد الله، أن تتعمق الخلافات داخل صفوف المعارضة، وينسحب حزبا التكتل واتحاد قوى التقدم من المعارضة، ويقفا على مسافة قربية من النظام الحاكم وأحزاب الأغلبية، مؤكدا أنه لا يستبعد أن يتحالفا مع النظام الحاكم في الانتخابات الرئاسية.
وعلى الرغم من أنّ أحزاب المعارضة قد حددت مبكّرا موقفها الرافض لهذه الوثيقة السياسية، فإنّ بعض المراقبين يرون أنّ هدفها في ظاهرها "مصلحة موريتانيا"، وجوهرها التحالف مع النظام الحاكم، وخروج أعرق حزبين من المعارضة التاريخية.