كشفت تقارير صحفية عن تحركات النظام الإيراني لإحداث تغييرات واسعة في المناصب القيادية في البلاد، خصوصا أعضاء مجلس الأمن القومي الإيراني، في خطوة يراها محللون أنها نتيجة منطقية لصعود التيار المتشدد في البلاد مع استمرار الحرب.
اللافت أن الجهة التي أعلنت تأييدها لاتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه مع الولايات المتحدة في أبريل كان هو المجلس الأعلى للأمن القومي. وقد وافق عليه 12 عضوًا من أصل 13 عضوًا، بمن فيهم شخصيات بارزة في الحرس الثوري والجيش.
الخلافات تعصف بالنظام الإيراني
وخلال الأيام الماضية، برزت إلى حد كبير الخلافات داخل صفوف النظام الإيراني خصوصا فيما يتعلق بماهية المرحلة المقبلة، حتى أن بعض التقارير تحدثت عن تهديد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بتقديم استقالته.
ويُصرّ المتشددون الذين يعارضون أي مفاوضات مع الولايات المتحدة على تحقيق نصر كامل في الحرب. يُعرفون بحركة "البايداري"، وهي كلمة فارسية تعني "الاستقرار"، وهم أيديولوجيون متشددون يسعون إلى فرض سيطرة الفكر المتشدد على المجتمع.
من جهة أخرى، يرى مؤيدو الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان القوي محمد باقر قاليباف، الذي يشغل أيضاً منصب كبير المفاوضين الإيرانيين، أن الضغط العسكري وسيلة للتوصل إلى اتفاق تفاوضي مع الولايات المتحدة. ويُعزى هذا التوجه أيضاً إلى القلق إزاء التداعيات الاقتصادية للحرب على إيران، وضرورة التكيف مع التغيرات الاجتماعية في البلاد، وذلك بحسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس".
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين قولهم إن المعتدلين الإيرانيين باتوا قلقين بشكل متزايد من أن الحصار الأميركي المفروض ردًا على هجمات إيران على مضيق هرمز يُعرّض اقتصاد طهران لخطر الانهيار.
سقوط حتمي للنظام
ويرى الخبير في الشأن الإيراني الدكتور سعيد الصباغ، في حديث لمنصة "المشهد" أن الخلافات بين أركان النظام الإيراني حاليا هي خلافات حول الأدوات والأهداف التي ترغب طهران في تحقيقها، ففي حين يرى التيار المتشدد ضرورة توسيع نطاق الحرب يميل التيار الإصلاحي إلى التهدئة والتفاوض لإنقاذ الاقتصاد المتردي.
ومع ذلك قال الصباغ إن الخلافات داخل النخب الحاكمة في إيران ليست بجديدة ولكنها قديمة، وتتطور وتظهر على السطح كلما زاد الضغط الاقتصادي والسياسي والعسكري على النظام، لافتا إلى أن طهران تتعرض لضغوط عسكرية هائلة منذ العام 2023 وبالتالي تبرز حدة هذه الاختلافات.
وأوضح أن الخلافات الحالية لم تصل بعد إلى مرحلة الانشقاقات، مبينا أن التيار الإصلاحي الذي يمثله الرئيس الإيراني لا يملك الصلاحيات العسكرية التي يملكها الحرس الثوري ممثلا للتيار المتشدد داخل إيران، وبالتالي تكون الكلمة العليا في الوقت الحالي للتيار المتشدد.
وكشف الصباغ أن الحرس الثوري نفسه منقسم إلى تيارين، إذ يرى التيار الأكثر تشددا داخل الحرس الثوري أن البقاء في ظل العقوبات والحرب أمر ضروري خصوصا أنه يمتلك شركات واقتصاد ينشط خلال هذه الفترة.
في كل الأحوال، يرى الخبير في الشأن الإيراني أن سقوط النظام الإيراني قادم لا محالة، مضيفا "إذا لم يسقط بفعل العمليات العسكرية فسوف يسقط حتما؛ بسبب تداعيات الحرب".
ويشير هذا التنافس العلني غير المعتاد داخل قيادة النظام الديني إلى صراع على السيطرة على مستقبل إيران ما بعد الحرب. ويبقى موقف المرشد الجديد مجتبى خامنئي، غامضاً. فقد أُصيب خامنئي في الغارة التي أودت بحياة والده في الدقائق الأولى من الحرب في 28 فبراير، ولا يزال مختبئاً.
أمر متوقع
ويرى الصباغ أن المرشد الجديد ليس الشخص المؤثر في صنع القرار في إيران حاليا، وهو ما يوافقه عليه الباحث في الشؤون الإقليمية أحمد سلطان في حديثه لمنصة "المشهد".
وقال سلطان إنّ المرشد الإيراني ليس الصوت الأعلى حاليا في إيران ولكن الحرس الثوري.
وحول التقارير التي تتحدث عن تغييرات الصفوف القيادية في البلاد، أشار سلطان إلى أن هذا أمر طبيعي ومتوقع خصوصا بعد اغتيال النخبة الحاكمة في البلاد والتي كانت تمتلك أطرا معرفية ومنهجية في التعامل مع الملفات المختلفة داخليا وخارجيا.
وأشار سلطان إلى أن هذا سمح بصعود نخبة جدديدة من القومية العسكرية المحمّلة بأيدولوجيا ولاية الفقيه، لافتا إلى أن النخبة الحاكمة السابقة كانت بمثابة رمانة الميزان بين التيارات المختلفة في البلاد وبمقتلهم وعلى الأخص علي لاريجاني أصبح العسكريون بلا مرجعية رادعة لهم.
في نهاية المطاف، وبحسب "أسوشيتد برس" يتنافس الطرفان على السلطة بعد الحرب، نظرًا لحالة عدم اليقين غير المسبوقة التي أحدثها تغيير القيادة العليا.



