منذ أن تمّ توقيع مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران في قصر الإليزيه في فرنسا، تمّ إحياء نقاش قديم-جديد يتجاوز الملف النووي ليطال التوازنات الإقليمية التي تشكّلت خلال العقود الماضية. فتمّت إثارة تساؤلات حول مستقبل النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، خصوصا علاقة الجمهورية الإسلامية بوكلائها؛ في مقدّمتهم "حزب الله" في لبنان.
على الرغم من أنّ بنود مذكّرة التفاهم المعلنة لا تتضمّن أيّ إشارة مباشرة إلى "حزب الله" أو إلى مستقبل الدعم الإيراني له، فإنّ طبيعة الملفّات المؤجّلة إلى المفاوضات النهائية، وفي مقدّمتها مسألة الوكلاء الإقليميين، دفعت العديد من المراقبين إلى التساؤل عمّا إذا كانت طهران قد تكون مستعدّة لتقديم تنازلات في هذا الملف مقابل مكاسب اقتصادية وسياسية مهمّة، أم أنّ الحديث عن "بيع" الحزب لا يزال سابقًا لأوانه.
إطار أوّلي
تشكّل مذكّرة التفاهم المذكورة أعلاه إطارًا سياسيًا عامًّا يهدف إلى خفض التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، وتهيئة الأرضية أمام اتفاق شامل خلال مهلة زمنية محدّدة؛ ألا وهي 60 يومًا.
وتتضمّن الوثيقة 14 بندًا تغطّي ملفّات متعدّدة، من بينها وقف العمليات العسكرية، وأمن الملاحة (خصوصا في مضيق هرمز)، والعقوبات الاقتصادية، والبرنامج النووي الإيراني، وآليات التنفيذ المستقبلية.
تنصّ المذكّرة على وقف دائم للعمليات العسكرية بين الطرفين وحلفائهما عبر مختلف الساحات، بما فيها لبنان (وهو ما تمّ ذكره في المادّة 1 بشكل واضح وصريح)، إلى جانب التزام متبادل بعدم اللّجوء إلى القوّة واحترام سيادة الدول، وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية. كما تفتح الباب أمام تخفيف تدريجي للعقوبات المفروضة على إيران، واستئناف صادراتها النفطية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمّدة، فضلًا عن مشروع اقتصادي ضخم لإعادة إنعاش الاقتصاد الإيراني قد تصل قيمته إلى 300 مليار دولار.
في المقابل، تؤكّد إيران التزامها بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، مع قبولها بخفض مستويات تخصيب اليورانيوم تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على أن تُستكمل التفاصيل التقنية خلال المفاوضات اللاحقة.
غير أنّ اللافت هو أنّ المذكّرة تؤجّل عمدًا أكثر الملفّات حساسية إلى مرحلة لاحقة، وعلى رأسها تلك المرتبطة بطهران مثل الصواريخ الباليستية، والبرنامج النووي، ومستقبل الجماعات المسلّحة الحليفة لإيران. فهذه القضايا لم تُحسم، وإنّما أُرجئت إلى مفاوضات لاحقة، ما يجعل الاتفاق الحالي أقرب إلى إعلان نيّات منه إلى تسوية نهائية.
بالإضافة إلى ذلك، يبدو أنّ مذكّرة التفاهم تصب في مصلحة إيران أكثر ممّا تصب في مصلحة الولايات المتحدة. فالمادّة 13 تنصّ بوضوح على أنّ المواد 1 و4 و5 و10 و11 (التي تنهي في الأساس الحصار البحري الذي فرضته الولايات المتحدة، وتسمح بتصدير النفط الخام الإيراني الحيوي، وتفرج عن الأصول الإيرانية المجمّدة) يجب تنفيذها أوّلًا قبل معالجة قضايا أخرى لا تقلّ أهمّية بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، وهي: الصواريخ الباليستية، والبرنامج النووي، ووكلاء إيران.
"احتواء الحلفاء"
في هذا الإطار، وفي حديث خاصّ لمنصّة "المشهد"، يقدّم الباحث في الشأن الأحوازي الإيراني والخبير الأميركي-الإيراني يوسف عزيزي قراءة أكثر حذرًا لهذه التطوّرات، معتبرًا أنّ الحديث عن تخلّي إيران عن حلفائها لا يعكس الواقع الحالي.
يرى عزيزي أنّه لا يتوقّع حدوث تغيير جذري في المدى القريب، لكنّه لا يستبعد أن تفضي المفاوضات الممتدّة بين واشنطن وطهران إلى تفاهمات سرّية تتضمّن التزامًا إيرانيًا باحتواء حلفائها في المنطقة، بما يسهم في خفض مستوى التوتّر الإقليمي خلال فترة التفاوض.
ويشير إلى أنّ هذا الاحتمال يختلف عن التخلّي الكامل عن تلك الجماعات، إذ قد يقتصر على ضبط التحرّكات العسكرية أو الحدّ من التصعيد بما يخدم مصلحة الطرفين في إنجاح المسار الدبلوماسي.
أمّا على المدى البعيد، فيعتقد عزيزي أنّ تطوّر العلاقات الأميركية-الإيرانية، وخصوصا إذا ترافق مع انفتاح اقتصادي واستثمارات أميركية داخل إيران، قد يدفع طهران إلى إعادة النظر تدريجيًا في طبيعة علاقتها بأذرعها الإقليمية. إلّا أنّه يؤكّد أنّ هذا السيناريو يبقى احتمالًا مرتبطًا بمسار طويل من التطوّرات السياسية والاقتصادية، وليس نتيجة مباشرة للاتفاق الحالي.
من هنا، فإنّ مستقبل العلاقة بين إيران ووكلائها في المنطقة سيظلّ رهينة نجاح المفاوضات المقبلة، ومدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات متبادلة تتجاوز الملفّات التقنية إلى إعادة صياغة المشهد السياسي والأمني في الشرق الأوسط.
من هنا، وفي ضوء المعطيات المتوافرة، لا يمكن الجزم بأنّ إيران "باعت" حزب الله في إطار مفاوضاتها مع الولايات المتحدة، إذ لا تتضمّن مذكّرة التفاهم أيّ التزام معلن بهذا الاتجاه، كما أنّ الملفّات المتعلّقة بالنفوذ الإقليمي لا تزال مؤجّلة إلى جولات تفاوضية لاحقة.
لذا، حتى تتضح نتائج المفاوضات النهائية، ستبقى جميع السيناريوهات مطروحة، وسيظلّ مستقبل "حزب الله" مرتبطًا ليس فقط بالعلاقة الإيرانية-الأميركية، بل أيضًا بالتوازنات الإقليمية الأوسع التي لم تُحسم بعد، كما وبقدرة الدولة اللبنانية على المضي قدمًا ببسط سيطرتها على الأراضي اللبنانية كافّة.