شهدت الساحة السياسية العراقية الأسبوع الماضي، أحداثاً متتالية فيما يخص ملف انتخاب رئيس مجلس الوزراء العراقي المقبل، حيث تناقلت مواقع إعلامية عراقية أخباراً عن تنازل رئيس ائتلاف الإعمار والتنمية محمد شياع السوداني عن ترشيح نفسه لصالح رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي، ما أثار العديد من التساؤلات حول ملف رئاسة الحكومة، وسط معلومات تشير إلى اتفاق سري بين الطرفين.
وعلى الرغم من أن السوداني لم يعلن تنازله عن الترشيح صراحةً، كما لم يصدر أي بيان رسمي من ائتلاف الإعمار والتنمية يؤكد صحة المعلومات المتداولة، إلا أن عدد من النواب في الائتلاف ذاته أكدوا عبر القنوات الإعلامية تنازل السوداني عن ترشيح نفسه، نتيجة لتطور الخلاف مع المالكي ورغبة السوداني بعدم عرقلة العملية السياسية، وإعلان اسم شخصية رئيس الحكومة في الموعد الدستوري المحدد.
تكتيك سياسي!
وفي تصريح خاص لمنصة "المشهد"، كشف مصدر في ائتلاف الإعمار والتنمية، فضّل عدم ذكر اسمه، أن كتلة الإعمار والتنمية وهي أكبر كتلة سياسية داخل البرلمان قررت أن تسحب مرشحها محمد شياع السوداني لصالح مرشح دولة القانون نوري المالكي، لكن هذا لن يقود المالكي إلى رئاسة الحكومة لأنه سيصطدم بمعارضة باقي قوى الإطار التنسيقي منها كتلة صادقون وكتلة عمّار الحكيم، أي ما جرى كان تكتيكاً سياسياً لإخراج المالكي من السباق الحكومي على يد الكتل السياسية الأخرى.
وأوضح المصدر، أن "ائتلاف الإعمار والتنمية وجد أن هذا هو الحل الأنسب لإنهاء حالة الجدل بينه وبين مرشح دولة القانون نوري المالكي، إضافة إلى أن المالكي لن يلوم السوداني لاحقاً على أي سيناريو سيرسم، لأن الأخير تنازل عن ترشيحه، لكن هل ستقبل باقي الكتل الشيعية بالمالكي؟ وهل ستوافق المرجعية الدينية في النجف الأشرف على تجديد ولايته؟".
وعن السيناريو المرتقب لانتخاب رئيس الحكومة، يجيب المصدر:
- نحن في ائتلاف الإعمار والتنمية سحبنا مرشحنا وندعم المالكي.
- لكن في حال لم يتمكن من الحصول على موافقة باقي الكتل السياسية الأخرى خصوصًا الشيعية منها، فنحن سنعود لترشيح مرشحنا الأول محمد شياع السوداني، لأنه حصل على أكثر من مليون صوت انتخابي ولديه مقبولية محلية ودولية. هذا ما سنشهده خلال المرحلة المقبلة.
رأي تيار الحكمة
يُعرف تيار الحكمة الوطني بأنه أحد المكونات الأساسية داخل الإطار التنسيقي، يشارك بفاعلية في عملية اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، يقوده السياسي الشيعي عمار الحكيم، يطرح التيار نفسه كتيار معتدل يسعى إلى تحقيق التوازن بين القوى الشيعية والسنية والكردية مع التركيز على الهوية الوطنية الجامعة.
وعن موقف تيار الحكمة من ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة، يجيب القيادي في تيار الحكمة سامي الجيزاني لمنصة "المشهد"، إن تيار الحكمة يقف على مسافة واحدة من كل المرشحين، لكنه ما زال لم يحسم قراره بشأن اختيار شخصية من الشخصيات المرشحة، لأن الحكومة المقبلة بحاجة لشخصية تصل عن طريق الإجماع، ما سيحقق الاستقرار في عمل الحكومة المقبلة والمرونة في قراراتها.
النجف الأشرف يرفض المالكي
ولم يحظ إعلان ترشيح المالكي لرئاسة الحكومة المقبلة بقبول العديد من الأطراف السياسية العراقية، وبدأت مواقع إعلامية عراقية تتناقل معلومات عن عجزه عن تولي الحكومة بسبب أزماته الصحية وتقدمه في العمر، إضافة إلى رفض الكتلة الصدرية والمرجعية الدينية فكرة ترشيحه مرة ثانية.
وعن ذلك يقول رئيس مركز بغداد للدراسات الإستراتيجية مُناف الموسوي لمنصة "المشهد" إن المرجعية الدينية في النجف الأشرف رفضت استلام أي اسم من المرشحين، وهي بذلك تعلن رفضها للأداء السياسي الذي تقوم به الكتل السياسية الموجودة في المشهد السياسي العراقي، كما أكدت أنها ثابتة على مواقفها، في إشارة واضحة أنها رفضت ترشيح المالكي عام 2014، وهي الآن ترفض ترشيحه اليوم، موقفها لم يتغير ولا تقبل بترشيحه مرة أخرى.
أما الكتلة الصدرية التي يُعرف بأنها غير متفقة مع سياسة المالكي، خصوصا بعد تسريبات عام 2022 المنسوبة إلى المالكي، التي تضمنت انتقادات حادة للتيار الصدري واتهامات له بزعزعة الأمن، ما دفع الكتلة الصدرية للتقدم بدعوى قضائية ضده بتهمة التحريض على اقتتال طائفي داخلي وتسليح جماعات خارجة عن القانون.
وعن ذلك يوضح الموسوي أن التيار الصدري منسحب من العملية السياسية ولم يشارك في الانتخابات السابقة، لأنه رافض لأداء المالكي ولأسلوبه، وأيضاً رافض لعمل كل الكتل السياسية العراقية، "قالها مقتدى الصدر بالحرف الواحد: لن أشترك مع الفاسدين، إذاً التيار الصدري يرى أن الإصرار على الإبقاء على نظام المحاصصة وتقاسم الولائم وحماية الفاسدين، كل ذلك لا يصب في مصلحة الوطن، بل فقط في مصلحة الأحزاب السياسية".
كتلة صادقون ترفض المالكي
وكانت وسائل إعلام عراقية تناقلت معلومات عن اتفاق سري بين المالكي والسوداني، على تشكيل تحالف جديد أو كتلة برلمانية كبيرة تصل إلى 85 نائباً، ترشّح المالكي لمنصب رئاسة الوزراء، مقابل منح ائتلاف الإعمار والتنمية منصب مدير مكتب رئيس الوزراء مع وزارة المالية أو النفط.
عن ذلك يقول المحلل السياسي عائد الهلالي لمنصة "المشهد" ما يُتداول في الأوساط السياسية والإعلامية العراقية بشأن وجود تحالف خفي بين السوداني و المالكي والنائب الأول لرئيس مجلس النواب محسن المندلاوي، يمكن أن يكون حقيقة لأن المصالح والتفاهمات المرحلية تفتح المجال أمام مثل هذه التحالفات الكبرى، إلا أنه لم يتم الإعلان عنها بشكل مباشر.
ويوضح الهلالي أن مواقف قوى الإطار التنسيقي ليست موحّدة بشأن ترشيح المالكي، تشير المعطيات إلى وجود تحفظات جديّة من قبل تيار الحكمة بزعامة عمار الحكيم، وكذلك من كتلة صادقون حول ترشيحه، التي ترى أن إعادة طرح المالكي سيعمّق الانقسام الداخلي ويستفز أطرافاً داخلية وخارجية، وما سيؤدي لإعادة إنتاج حالة الاستقطاب التي شهدتها الحكومة في مراحل سابقة.
ويؤكد الهلالي، أنه حتى الآن لا يوجد إجماع داخل الإطار على مرشح بديل واضح، لكن يُلاحظ أن اسم محمد شياع السوداني يُطرح ضمنيًا كخيار توافقي في حال تعذّر تمرير المالكي، نظراً لكونه يشغل موقع السلطة التنفيذية ويتمتع بعلاقات متوازنة مع أغلب الأطراف.
في المقابل، يُتداول اسم باسم البدري في بعض الدوائر بوصفه مرشح تسوية محتمل، لأنه قد يُمثل خياراً أقل استفزازاً وأقرب إلى منطق المرحلة الانتقالية.
المالكي أو السوداني؟
ويرى مراقبون أنه رغم انسحاب السوداني وترشيح المالكي، إلا أن بعض القوى السياسية الكردية والسنية والشيعية غير راضية عن ترشيحه، ما سيدفعها لإبعاده عن كرسي الرئاسة، بينما لن يكون للسوداني يد في ذلك ما سيفسح المجال لإعادة ترشيحه مرة أخرى، خصوصا أن الكتل السنية ترى أن المالكي خلال فترة استلامه السلطة اتبع سياسة إقصائية وتهميشًا ممنهجًا لهم في مؤسسات الدولة، فيما يتهمه البعض الآخر بتسليح مجموعات خارحة عن القانون ما ساهم في خلف بيئة خصبة لظهور الجماعات المتطرفة.
أما فيما يخص الكتلة الكردية، ورغم غياب حالة العداء المطلق بينها وبين المالكي، فإن العلاقة ليست مستقرة خاصة فيما يتعلق بالموازنة العامة، النفط والغاز، المناطق المتنازع عليها، لذلك لا تفضل معظم الأحزاب الكردية ترشيح المالكي مرة أخرى، مقارنة مع السوداني الذي حقق خلال فترة استلامه الحكومة العراقية تقدماً ملحوظاً في الملفات العالقة بين أربيل وبغداد. بحسب مصادر خاصة لمنصة المشهد.
وحصل ائتلاف الإعمار والتنمية برئاسة محمد شياع السوداني على 46 مقعداً برلمانياً، فيما حصل ائتلاف دولة القانون برئاسة نوري المالكي على 27 مقعداً برلمانياً، وفقاً للانتخابات التشريعية نهاية العام 2025، ماوصفه مراقبون بأنه تراجع لنفوذ المالكي في المحافظات العراقية.