تعترف كل الكتل النبابية في البرلمان أخيرًا، بعدم قدرة أيّ جبهة من ضفّتي البرلمان، على انتخاب رئيس الجمهورية، وتؤمّن له الـ65 صوتا في الدورة الثانية من جلسة الانتخاب نفسها، حيث تعلّم الجميع من دروس جلسة الانتخاب التي حملت الرقم 12. ووصلوا إلى هذه الخلاصة، وفي مقدّمهم "حزب الله"، بأن لا مفرّ من التوصل إلى رئيس توافقي، نتيجة التوازن السلبي في المجلس.
انقسامات واضحة
وبعد زيارة الموفد الفرنسي جان-إيف لودريان بيروت، وعودته إلى باريس بتقرير مفصل، لمس الرجل حجم الانقسامات ورفع الفيتوات بين الأفرقاء، ليخلص الديبلوماسي العتيق الذي يصفه البعض بـ"الثعلب" تقديرا لقدراته، أن لا مفر من حوار بين الكتل النيابية ومن غير شروط، "ولو بالفرض". وثبُت للبنانيين أنهم خبِروا هذه التجربة في محطات سابقة، بغضّ النظر عن النتائج التي تحققت.
صحيح أنّ لودريان كان يسأل أكثر من تقديمه الإجابات، إلا أنه وجّه أسئلة واضحة القصد والمعاني، ومن دون التباس فيها.
لقاء لودريان - فرنجية
وكان أبرزها في الجلسة التي جمعته ورئيس "تيار المردة" سليمان فرنجية، خصوصا عند قوله له: إنّ باريس تواجه حصارا في لبنان ومن المجموعة الخماسية، "التي ترفض" إيصالك إلى سدّة الرئاسة. وأصعب ما قال له: "إذهب وحاور النائب جبران باسيل أو رئيس "القوات اللبنانية" سمير جعجع. وثمة عبارة أكثر من قاسية سمعها فرنجية على مسمع نجله النائب طوني فرنجية، والوزير السابق روني عريجي، "فشلنا في تأمين عناصر الدعم الدولية المطلوبة لك".
ولم يُقدم لودريان رغم ذلك على الإفصاح أمام فرنجية في مقر السفارة الفرنسية، أنّ باريس تراجعت عن مبادرتها.
لودريان إلى طهران؟
بعد إطلاع لودريان الرئيس ماكرون على حصيلة لقاءاته اللبنانية سيتوجه إلى الرياض والدوحة بعد عيد الأضحى، وقد لا يكتفي بالتواصل مع المجموعة الخماسية، مع ترجيح أن يتوجه إلى طهران التي تبقى لها كلمتها في رسم الاستحقاق الرئاسي في لبنان، ولو كانت مطمئنّة إلى خيارات حليفها "حزب الله".
وبعد قول كل فريقة كلمته، لم يبقَ من مهرب إلا الحوار. هذا ما سيحمله لودريان إلى بيروت في جولته الثانية في تموز المقبل. وإذا لم يتلاقوا ويتحاوروا ولو بمساعدة الصديق الفرنسي، فإنّ فصل الشغور الرئاسي سيغطي في أيامه الثقيلة على اللبنانيين في الصيف الجاري، وقد يمتد إلى آخر الشتاء المقبل وأكثر. وهو ما أشار إليه لودريان الذي سيأتي في الزيارة المقبلة، بموقف موحد من المجموعة الخماسية، وبالتشاور مع إيران والفاتيكان.
بعد خراب بيروت!
وسبق للبنانيين أن تعايشوا مع هذا الطقس من الحوارات، قبل انتخاب الرئيس ميشال عون على مدار سنتين ونصف السنة، مع فارق هذه المرة أنهم يواجهون كل هذا بعد تبخّر ودائعهم المالية في المصارف، وتدهور حياتهم المعيشية، وانهيار قطاعات الصحة والتربية.
في السابق كان يردد العرب: بعد خراب البصرة، حيث لم يعد ينفع شيء من محاولات تعويض كل هذه الخسائر.. ويستبدل اللبنانيون هذا المثل اليوم: بعد خراب بيروت!