تتجه الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، والمزمع إجراؤها في 27 أكتوبر، إلى أن تكون اختبارًا حاسمًا لمستقبل بنيامين نتانياهو السياسي، بفعل التقاطعات غير المسبوقة بين الرهانات الداخلية وحساباتها الدقيقة أو بالأحرى المعقدة، وذلك بجانب تطورات الساحات الإقليمية المفتوحة، خصوصًا إيران وغزة ولبنان وسوريا.
ضغوط متزايدة
فيما يواجه نتانياهو ضغوطًا متزايدة على خلفية عدم حسم هذه الملفات، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، بالتزامن مع عجزه، وفق استطلاعات الرأي، عن تأمين الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة.
وفي حين يراهن رئيس الوزراء الإسرائيلي على توظيف التهديدات الأمنية والملفات الإقليمية لتعزيز موقعه الانتخابي، فإن هذه الجبهات قد تتحول نفسها إلى عبء سياسي إذا استمر غياب الإنجازات الحاسمة، بحسب المصادر ذاتها.
من ثم، يبرز ملف غزة، وتحديدًا نزع سلاح الفصائل و"حماس"، ضمن أبرز الأوراق التي قد يسعى نتانياهو إلى تحقيق تقدم فيها وتقديمه باعتباره إنجازًا أمنيًا وسياسيًا، وسط ضغوط أميركية متزايدة قد تؤثر في مسار المعركة الانتخابية ومستقبل الحكومة الإسرائيلية.
صناعة القرار بإسرائيل
وفي حديثه لمنصة "المشهد" قال مدير المركز العربي للبحوث والدراسات الدكتور هاني سليمان، إن الانتخابات الإسرائيلية تتمتع بخصوصية كبيرة في تحديد مسارات السياسة الخارجية، نظرًا إلى التداخل الواضح بين العوامل الداخلية والخارجية في صناعة القرار السياسي الإسرائيلي.
وأوضح سليمان أن هذا التداخل يكتسب في الحالة الإسرائيلية قدرًا أكبر من الإلحاح، إذ يوظف النظام السياسي التطورات الخارجية والتهديدات الإقليمية لتحقيق مكاسب داخلية، في الوقت الذي تؤثر فيه الحسابات الانتخابية بدورها في إدارة الملفات الخارجية.
وأشار إلى أن نتانياهو يعتمد في إدارة معركته الانتخابية على تعميق الإحساس بالتهديد، والإبقاء على مستوى مرتفع من المخاطر، لجهة توظيف الملفات الإقليمية المفتوحة لتعزيز موقعه السياسي وسحب البساط من قوى المعارضة.
وتابع: "يواجه نتانياهو هذه المرة ضغوطًا غير مسبوقة، في ظل عدم قدرته على حسم عدد من الملفات الرئيسة، وغياب رؤية واضحة بشأن مستقبلها، فضلًا عن تراكم القضايا العالقة، وفي مقدمتها الملف الإيراني وقطاع غزة".
غير أن هذه الإستراتيجية تنطوي على مخاطر كبيرة؛ إذ إن استمرار الصراعات من دون تحقيق اختراقات ملموسة قد يضعف مصداقية نتانياهو، والحديث للمصدر ذاته، كما يبعث بتساؤلات جمّة داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن قدرته على إدارة هذه المواجهات وتحقيق أهدافها.
التحدي الأكثر خطورة
وأكد سليمان أن الملف الإيراني يمثل التحدي الأكثر خطورة، في ظل عدم تحقيق إسرائيل أهدافها كاملة، إلى جانب وجود مؤشرات على تغير نسبي في السياسة الأميركية تجاه هذا الملف، فضلًا عن التحديات التي واجهتها إسرائيل خلال الفترة الماضية.
كما لفت إلى أن تعدد الجبهات المفتوحة، من إيران وغزة إلى لبنان وسوريا، يضع المجتمع الإسرائيلي أمام هواجس متزايدة بشأن قدرة الدولة على مواصلة مواجهة هذه الملفات بالنهج نفسه الذي اتبعه نتانياهو في غضون السنوات الأخيرة.
من هنا تبدو إسرائيل أمام خيارين:
- الأول: استمرار النهج الحالي ومحاولة حسم الملفات المفتوحة وتحقيق انتصار واضح فيها، وهو ما قد يعزز فرص نتانياهو.
- الثاني: تغيير القيادة السياسية والانتقال إلى مرحلة جديدة من الاستقرار، وهو خيار يحظى بدعم قطاعات من المجتمع الإسرائيلي.
ثم أشار مدير المركز العربي للبحوث والدراسات، إلى أن الانتخابات المقبلة تبدو أكثر تنافسية وتوازنًا من سابقاتها، مع وجود مخاطر حقيقية على قدرة نتانياهو على الاحتفاظ بمنصبه، مؤكدًا أن الجبهات المفتوحة قد تكون "مفتاح الفوز" في الانتخابات، لكنها في الوقت نفسه قد تتحول إلى "مفتاح الإخفاق" والعقبة الرئيسة أمام استمرار نتانياهو، في ظل حجم الضغوط التي تواجهها إسرائيل حاليًا.
الموقف الأميركي
وفي ما يتعلق بالموقف الأميركي، قال سليمان إن علاقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنتانياهو خلال الفترة الأخيرة تركزت بدرجة كبيرة على الملفات الإقليمية، وإن نتانياهو سعى خلال زيارته إلى واشنطن إلى الحصول على دعم أميركي واضح من ترامب، إلا أن الأخير لم يقدم تأييدًا مباشرًا له.
وأشار سليمان إلى وجود أصوات داخل الإدارة الأميركية ترى أن نتانياهو يمثل عقبة أمام معالجة عدد من الملفات الإقليمية، خصوصًا الحرب في غزة وطهران. بالتالي، فإن هذا قد يفسر حرص نتانياهو على عقد لقاء مطول مع نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، في محاولة لتقريب وجهات النظر وتسوية بعض الملفات وضمان موقف أكثر دعمًا داخل الإدارة الأميركية.
مأزق سياسي وانتخابي
من جهته، قال أستاذ العلوم السياسية في جامعة القدس، الدكتور أيمن الرقب، إن استطلاعات الرأي الحالية تشير إلى أن نتانياهو لا يزال عاجزًا عن حصد نحو 60 مقعدًا، بما يتيح له تشكيل الحكومة المقبلة، ما يضعه أمام مأزق سياسي وانتخابي متزايد.
وأوضح الرقب لمنصة "المشهد"، أن نتانياهو يعيش حالة من "التخبط" بينما يسعى إلى الخروج من هذا المأزق بأقل الخسائر، خصوصًا في ظل استمرار تعقيدات ملف قطاع غزة والضغوط الأميركية المرتبطة به، مشيرًا إلى ضرورة بحثه خلال الفترة المقبلة عن مخرج سياسي، في ظل ضغوط أميركية تدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق بشأن ترتيبات الوضع في غزة.
كما لفت إلى أن ملف نزع سلاح الفصائل الفلسطينية قد يكون أحد المحاور الرئيسة في هذا المسار لحلحلة التعقيدات حول نتانياهو. وتابع: "قد يسعى نتانياهو إلى تقديم أي تقدم في ملف نزع السلاح باعتباره إنجازًا سياسيًا وأمنيًا، يمكنه من القول إنه نجح في تجاوز إحدى أكثر المعضلات تعقيدًا في الحرب على غزة، خصوصًا إذا تمكن من تحقيق نتائج ملموسة في هذا الملف".
حساسية المرحلة
وبحسب أستاذ العلوم السياسية بجامعة القدس، فإن نتانياهو يدرك حساسية المرحلة وخطورة انعكاساتها على مستقبله السياسي، ولذلك؛ سيعمل على تحقيق إنجازات يمكن توظيفها داخليًا خلال المعركة الانتخابية، في وقت تبدو فيه الإدارة الأميركية مدركة لحساباته ومخاوفه المرتبطة بالانتخابات.
ورأى أن تحقيق تقدم في مسار نزع سلاح غزة قد يمنح نتانياهو ورقة سياسية مهمة، بينما يتيح له تقديم نفسه باعتباره قادرًا على تغيير المعادلة الأمنية والسياسية، ليس فقط في غزة، وإنما في مجمل مسار الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.
الأمن الإسرائيلي
إلا أن مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية توم حرب، يرى، بخلاف سابقيه، أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لن تُحدث تغييرًا جوهريًا في تعامل إسرائيل مع الجبهات الإقليمية، سواء فاز نتانياهو أو أي شخصية أخرى، مؤكدًا أن "الأمن الوجودي لإسرائيل سيظل المعيار الأساسي الحاكم للسياسة الإسرائيلية".
وأوضح حرب، في تصريحات لمنصة "المشهد"، أن هذا المبدأ لم يتغير حتى خلال فترات تولي اليسار الإسرائيلي الحكم في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، إذ ظل أمن إسرائيل أولوية تتجاوز الانقسامات الحزبية والسياسية.
وتابع: "ضعف اليسار الإسرائيلي وصعود اليمين يجعلان هامش التغيير في السياسات الأمنية محدودًا". بالتالي، فأي "حكومة مقبلة ستواصل التعامل مع الجبهات المفتوحة، خصوصًا في غزة ولبنان واليمن وإيران وسوريا، باعتبارها تهديدات مباشرة للأمن الإسرائيلي.
بالمحصلة، فإن إسرائيل "ستواصل استهداف الجهات التي ترى أنها تهدد أمنها أو تتبنى أجندات معادية لها"، وفق مدير التحالف الأميركي الشرق أوسطي للديمقراطية، وقد شدد على أن تغير هذه المعادلة يتطلب تحولًا أوسع في البيئة الإقليمية.



