زار رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى بلدة زوطر الغربية على رأس وفد رسمي رفيع، ضمّ وزير الدفاع ميشال منسّى، ورئيس أركان الجيش اللواء الركن حسان عودة، والأمين العام للمجلس الأعلى للدفاع اللواء الركن محمد المصطفى، إلى جانب رئيس مجلس الإنماء والإعمار محمد قباني ورئيس مجلس الجنوب هاشم حيدر، لتكرّس البعد السياسي والمؤسساتي للمرحلة.
واستهلّ سلام الزيارة بغرس العلم اللبناني في ساحة البلدة، في خطوة رمزية تزامنت مع استكمال انتشار الجيش اللبناني، وحملت دلالة على سعي الدولة إلى إعادة تثبيت حضورها في المناطق الحدودية وترسيخ مرجعيتها على الأرض.
وخلال جولته، ربط سلام بين الانتشار الأمني ومسار إعادة الإعمار وعودة السكان، مؤكداً أن الدولة تمضي في تنفيذ خطة متكاملة تشمل فتح الطرق، وإزالة الركام، وتأمين الخدمات الأساسية، بما يوفّر مقومات العودة الآمنة والكريمة للأهالي.
كما أعاد التأكيد أن استعادة الجنوب لا تقتصر على البعد الأمني، بل تشكل جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بسط سلطة الدولة، معتبراً أن استكمال الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية يبقى شرطاً أساسياً لإنجاز هذا المسار، الذي وصفه بأنه لا يزال في بدايته، لكنه يسير بثبات نحو تحقيق أهدافه.
الجيش اللبناني يدخل زوطر الغربية
وكانت وحدات من الجيش اللبناني دخلت بلدة زوطر الغربية في قضاء النبطية، في أول اختبار ميداني فعلي لخطة "المناطق التجريبية" المدعومة أميركياً، عقب انسحاب أو إعادة تموضع للقوات الإسرائيلية من القطاع الذي كانت تتمركز فيه داخل البلدة. العملية تجري بالتنسيق مع مجموعة التنسيق العسكري الخاصة بلبنان MCG4L، وليست تحركاً منفرداً، بحسب ما أكدته قيادة الجيش في بيانها الرسمي، الذي دعا الأهالي إلى عدم التوجه إلى البلدة ريثما يستقر الوضع الأمني.
الانتشار جاء استكمالاً لمسار بدأ الاثنين الماضي، حين أعلن الجيش مواصلة مهماته في فرون وصريفا، مع استمرار الاتصالات مع MCG4L تمهيداً لدخول زوطر الغربية. مصادر ميدانية أفادت بوصول تعزيزات وآليات إلى محيط البلدة، وبدء فرق مختصة بمعاينة الطرق والمساحات المشتبه باحتوائها ذخائر أو مخلفات عسكرية، فيما بقي دخول المدنيين ممنوعاً مؤقتاً لحين إجراء مسح أمني وهندسي شامل.
لكن القوات الإسرائيلية لا تزال متمركزة في نقاط ومناطق أخرى، ويتحدث المسؤولون عن تعديل انتشار أو انسحاب موضعي ضمن إحدى المناطق التجريبية الثلاث، إلى جانب فرون وصريفا.
وأكدت الخارجية الأميركية أن الهدف من الخطة تمكين الجيش اللبناني ليكون السلطة العسكرية الوحيدة في هذه المناطق، ومنع أي إعادة تسلح خارج سلطة الدولة، تمهيداً لعودة السكان وإطلاق إعادة الإعمار. من جهته، اعتبر مسؤول عسكري إسرائيلي أن التجربة تشكل اختباراً لقدرة الجيش اللبناني على فرض سيادته في القرى الثلاث.
جدل التصنيف: هل كانت زوطر محتلة أصلاً؟
في هذا الإطار، أكد العميد المتقاعد والمحلل العسكري خليل الحلو لمنصة "المشهد" أن مصدراً عسكرياً لبنانياً أكد له أن الجيش كان أصلاً موجوداً في فرون وصريفا، وأن هاتين المنطقتين لم تكونا محتلتين أصلاً، ما يجعل تصنيفهما ضمن "مناطق تجريبية" غير دقيق من الناحية الميدانية البحتة، بما أن انتشار الجيش فيهما لم يشكل تنفيذاً جديداً لأي بند خلافي.
وبحسب الحلو، فإن جوهر الخلاف خلال المفاوضات كان حول مطلب لبناني بانسحابات إسرائيلية حقيقية من داخل الخط الأصفر، لاعتبارات تتعلق بإعادة السكان وبناء الثقة الشعبية، وأيضاً لسحب الذريعة من يد "حزب الله" حول ضرورة الاحتفاظ بالسلاح في ظل استمرار الوجود الإسرائيلي.
في المقابل، تمسك الجانب الإسرائيلي بموقف مفاده أن انسحابات سابقة استُغل بعضها لعودة "حزب الله" إلى مواقعه، ما استدعى ربط أي انسحاب جديد بدليل ملموس على قدرة الدولة اللبنانية على ضبط المنطقة.
هذا التجاذب أفضى، بحسب الحلو، إلى تسويات وسطية شملت ما وصفه بـ"المناطق الرمادية"، حيث لم يكن الوجود الإسرائيلي أو اللبناني حاسماً بالكامل.
وضرب مثالاً بمنطقة جنوب نهر الليطاني وغرب وادي السلوقي، مشيراً إلى أن قرى مثل قلاية وبرج قلاوية والغندورية وصريفا شهدت نمطاً متكرراً تمثل بدخول القوات الإسرائيلية، وتفجير عدد من المنازل، ثم الانسحاب، وهو نمط تكرر في غالبية قرى الجنوب لتفادي الإبقاء على وجود عسكري دائم فيها.
أما بالنسبة إلى زوطر تحديداً، فأوضح الحلو أن الجانب الإسرائيلي صنّف زوطر الغربية كمنطقة "محتلة جزئياً"، فيما اعتبرها المفاوضون اللبنانيون في مراحل سابقة من النقاش غير محتلة، قبل أن توافق الدولة اللبنانية لاحقاً على تصنيفها ضمن المناطق المحتلة لتسهيل تطبيق إطار الانسحاب. أما زوطر الشرقية، فاعتبرها محتلة بشكل أوضح، نظراً لوجود جسر تستخدمه القوات الإسرائيلية للوصول إلى نقاط مراقبة مطلة على الخردلي.
وخلص الحلو إلى أن الصورة ليست باللونين الأبيض والأسود، داعياً إلى إعطاء الجيش اللبناني فرصته، ومراقبة ما إذا كانت نية الانسحاب الإسرائيلي جدية فعلاً، وما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على ضبط تنفيذ الترتيبات المتفق عليها.






