مع دخول الحرب بين إسرائيل وإيران أسبوعها الـ4، بات الوضع الميداني يشهد تحولاً نوعياً لم تشهده المنطقة منذ عقود، فما كان قبل أسابيع قليلة مضت مجرد تبادل للضربات العسكرية المحدودة، تجاوز اليوم إلى مرحلة جديدة وأكثر خطورة، "مرحلة استهداف البنى الإستراتيجية والطاقة".
في تطور لافت، شهد يوم السبت الماضي قصفاً إيرانياً مباشراً استهدف مدينتي ديمونة وعراد في العمق الإسرائيلي، حيث يقع في الأولى المفاعل النووي الإسرائيلي غير المعلن.
فيما سجلت الثانية أكبر حصيلة إصابات منذ اندلاع الحرب، الضربات التي فشلت منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية في اعتراضها بالكامل، لم تكن مجرد هجوم عسكري عابر، بل حملت رسائل إستراتيجية واضحة، إيران لم تعد تلتزم بقواعد الاشتباك التقليدية، وقدرتها على اختراق أعمق النقاط حساسية في إسرائيل باتت واقعاً ملموساً.
بالمقابل شن الجيش الإسرائيلي غارات مكثفة طالت البنى التحتية الإيرانية ومنشآت الطاقة، مؤكداً أن الحرب دخلت مرحلة "تفكيك القدرات الوطنية" وليس فقط الردع المحدود.
هذا التصعيد المتسارع يطرح تساؤلين مصيريين في إسرائيل، هل ما زالت إسرائيل قادرة على فرض معادلة الردع بعد أن أثبتت إيران قدرتها على استهداف عمقها؟ وهل تستطيع تل أبيب تحمل كلفة الحرب المتصاعدة، خاصة مع استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية، وارتفاع التكاليف الاقتصادية إلى مستويات غير مسبوقة؟
حرب الطاقة والبنى التحتية
وأفاد أستاذ الدراسات الدولية في الجامعة العربية الأميركية، أيمن يوسف منصة "المشهد" بأن، "التطورات تشير بأن الحرب تجاوزت عتبة العمليات العسكرية المحدودة، ودخلت فعلياً إلى مرحلة استهداف البنى التحتية الإستراتيجية ومنشآت الطاقة، في تصعيد يحمل تداعيات إقليمية ودولية غير مسبوقة منذ حرب الخليج الأولى.
وأشار يوسف إلى أن هذه هي أبرز مؤشرات التحول في طبيعة الاستهداف:
- أولاً، الانتقال من الأهداف العسكرية إلى البنى الحيوية، الضربات بين الجانبين لم تعد تقتصر على المواقع العسكرية، بل امتدت إلى منشآت صناعية دفاعية ومرافق تخزين وقود ومراكز للطاقة، بالمقابل استهدفت إيران منشآت مدنية وبنى تحتية في إسرائيل أبرزها مدينة ديمونة التي تضم مفاعلاً نووياً.
- ثانياً، التهديد العلني بمحطات الكهرباء والمياه، فمن أبرز المؤشرات على دخول الحرب مرحلة الطاقة، هو خروج التهديدات من دائرة التلميح إلى العلن.
- ثالثاً، تحول مضيق هرمز إلى جبهة رئيسية في حرب البنى التحتية، رابعاً، تبادل الضربات على منشآت ذات طابع نووي، ضرب إيران مدينة ديمونة الإسرائيلية رداً على هجوم على منشأة نطنز النووية.
من جانبه، يعتقد الباحث والخبير بالشؤون الإسرائيلية سليمان بشارات خلال حديثه لمنصة "المشهد" بأن "إيران قرأت المشهد بأن الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل في معضلة، في عدم قدرتهما الذهاب بعيداً في ظل ضغط ورقة مضيق هرمز وارتفاع أسعار الطاقة.
وقال "إيران تصعد لتجبرهما للذهاب لقرار سياسي لوقف الحرب، تل أبيب وواشنطن تعملان على نوع من التلاعب والخداع فيما يتعلق بالحديث عن مسارٍ سياسي دبلوماسي، إسرائيل معنية في انهيار كامل للنظام الإيراني، هذا يتم من خلال البنية التحتية التي تشكل مصدراً حيوياً للإيرانيين، ذهبت للاغتيالات ولم تحقق تحريكاً للشارع، وقصف المنشآت الحيوية وحقول الطاقة والغاز، ولم تشكل تهديدا أو تحريكا للشارع، ما تبقى الآن تحويل الكلفة العالية باتجاه الإيرانيين بهدف الخروج للشارع نتيجة الاكتواء بنار الحرب".
انكشاف الردع الإسرائيلي
في تحليل للتطورات المتسارعة، أشار أستاذ الدراسات الدولية في الجامعة العربية الأميركية أيمن يوسف، لمنصة "المشهد" بأن "الضربات الإيرانية التي استهدفت ديمونة وعراد واخترقت الدفاعات الجوية الإسرائيلية رغم تكلفتها الباهظة، تظهر أن عقيدة الردع الإسرائيلية القائمة على التفوق التكنولوجي المطلق قد انكشفت، بينما تواجه إسرائيل على الصعيد الاقتصادي أزمة حقيقية تتمثل في عجز موازنة تجاوز 5% واستنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية وتبعية حاسمة للمساعدات الأميركية.
في تأكيد للتحولات الميدانية، شدد الباحث والخبير في الشؤون الإسرائيلية، سليمان بشارات لمنصة "المشهد"، على أن معادلة الردع الإسرائيلية لم تعد كما كانت بعد أن تمكنت إيران من استهداف العمق مرات متعدد.
وقال بشارات "الضربة الإيرانية لمواقع ديمونة وعراد في العمق الإسرائيلي، طرحت تساؤلات حول الكلفة العالية لاستمرارية هذه الحرب، وكذلك بما يتعلق بالقدرات الايرانية المرتبطة في تمكنها من الوصول إلى المناطق الإستراتيجية والحساسة والبنية الإستراتيجية لإسرائيل، هذا يقودنا للتفسير بأن إسرائيل تحاول أن تخفف من أعراضه وتداعيته".
وتابع "هذا الأمر ربما شكل منعطفا كبيرا جداً، وربما قد تكون هذه واحدة من العوامل الأساسية التي تدفع إسرائيل باتجاه تغيير حساباتها في شكل وطبيعة المواجهة ومستقبلها، حتى أن لم يكن هناك وقوف أو وقف للحرب على إيران، ربما تلجأ إسرائيل إلى محاولة البحث عن آلية لعدم تعريض هذه الأهداف إلى نطاق الاستهداف المباشر، لأن ذلك سيجعل من ميزان القوة الإسرائيلي يتعرض إلى خلل كبير وجوهري".
تل أبيب..بين الإنجاز والتحدي
وفق تقدير المحلل السياسي الإسرائيلي روني شاكيد، لمنصة "المشهد"، الحرب دخلت مرحلة استهداف الطاقة والبنى التحتية، معتبراً أن هذا التحول يمثل نقطة فاصلة في طبيعة الصراع بين الجانبين.
وقال شاكيد "استهداف البنى الإستراتيجية والطاقة يمثل تحولاً نوعياً مقصوداً، تتبناه تل أبيب كإستراتيجية مركزية لإضعاف إيران على المدى الطويل".
وأشار إلى أنه يوجد انقسام في إسرائيل حول جدوى هذا النهج:
- أولاً، يرى تيار أن تدمير منشآت الطاقة الإيرانية سيُسرع بانهيار النظام أو يدفعه لقبول الشروط الإسرائيلية.
- ثانياً، يحذر آخرون من أن استمرار هذه الإستراتيجية قد يحول الحرب إلى مستنقع طويل الأمد، خصوصا في ظل قدرة إيران على الصمود وتهديدها باستهداف البنى التحتية لدول الخليج وإسرائيل في المقابل، بالإضافة إلى الخطر النووي المتصاعد، من أن يؤدي تآكل قدرات الردع الإيرانية التقليدية إلى دفع طهران إلى اللجوء للخيار النووي كضمانة أخيرة لبقاء النظام.
وأضاف المحلل السياسي شاكيد أن معادلة الردع الإسرائيلية لم تعد كالسابق، مشدداً على أن قدرة إيران على استهداف العمق مرات متعددة تمثل اختراقاً نوعياً، مضيفاً "قصف إيران لديمونة وعراد لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل كان اختباراً حقيقياً لمعادلة الردع الإسرائيلية، لكن فشل الاعتراض، وصول الصواريخ إلى الموقع النووي الأكثر حساسية، والإصابات الكبيرة في عراد، كلها مؤشرات على أن الردع الإسرائيلي لم يعد كما كان".
وتابع "وهنا من حقنا أن نسأل هل تستطيع إسرائيل تحمل كلفة الحرب المتصاعدة، وهل ما زالت قادرة على ردع إيران، فإما أن تنجح إسرائيل في إعادة بناء الردع من خلال تصعيد نوعي يردع طهران، أو أن تجد نفسها منجرفة نحو حرب استنزاف طويلة تختبر قدرتها على الصمود داخلياً وخارجياً، في كل الأحوال، يبقى المؤكد أن الحرب دخلت مرحلة جديدة، أكثر خطورة وتعقيداً، وأن القواعد القديمة لم تعد صامدة".