في لحظة مفصلية من مسار التصعيد، طرح وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف رؤية سياسية أثارت جدلا واسعا، ليس فقط لتوقيتها الحساس، بل أيضا لما حملته من مقترحات غير تقليدية.
مقترح جواد ظريف
ودعا ظريف إلى إعلان "نصر مبكر محسوب" ووقف العمليات العسكرية، متبنيا مقاربة تقوم على تسوية شاملة تتضمن قيودا على البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع كامل للعقوبات، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز وتهيئة الأرضية لاتفاق عدم اعتداء مع الولايات المتحدة.
إلا أن هذه المبادرة، التي بدت أقرب إلى محاولة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك، اصطدمت سريعا بتباينات داخلية في إيران، حيث تتراجع أصوات التيار الإصلاحي لصالح صعود التيار المحافظ الذي يرفض تقديم أي تنازلات في ظل التصعيد.
وأثارت غياب شخصيات بارزة مثل محمد خاتمي تساؤلات حول موقع التيار المعتدل، في وقت يتعاظم فيه حضور المؤسسة العسكرية ومنطق الحسم بالقوة.
مبادرة بلا تنسيق رسمي
في هذا السياق، اعتبر رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية الدكتور محمد محسن أبو النور أن طرح ظريف يعكس مبادرة شخصية غير منسقة مع دوائر القرار في طهران.
وأكد أبو النور في تصريحات عبر برنامج "المشهد الليلة" الذي يُبث على قناة ومنصة "المشهد" مع الإعلامي رامي شوشاني، أن الطرح لا يقدم جديدا جوهريا على مستوى الملفات الخلافية، باستثناء دعوته لإعادة الوضع في مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب وهو ما يتعارض مع مواقف رسمية إيرانية تعلن استحالة العودة إلى ما قبل التصعيد.
ولفت إلى وجود خطابين متوازيين داخل إيران، الأول رسمي يتبنى نهج التصعيد ويؤكد على استمرار المواجهة، والثاني إصلاحي يسعى إلى فتح قنوات تسوية سياسية، إلا أنه يظل منفصلا عن مراكز صنع القرار.
وأوضح أبو النور أن طهران وفي ظل اختلال ميزان القوى، تسعى إلى تحقيق "نصر سياسي" عبر كسر إرادة الخصم خصوصا الولايات المتحدة، حتى وإن تعذر تحقيق إنجاز عسكري مباشر.
مغامرة تعمّق عزلة إيران
من جهته، قدم الخبير العسكري والإستراتيجي اللواء صالح المعايطة قراءة أكثر حدّة، معتبرا أن إيران انتقلت فعليا إلى نموذج "الدولة المؤدلجة" التي تدار بعقلية مركزية يقودها المرشد والحرس الثوري، ما يحدّ من فرص بروز تيار إصلاحي مؤثر.
واعتبر المعايطة أن السلوك الإيراني في الإقليم خصوصا تجاه دول الجوار، يعكس "مغامرة إستراتيجية" أسهمت في تعميق العزلة الدولية.
وأضاف أن طهران تفتقر إلى أدوات المواجهة التقليدية في أي صدام واسع مع القوى الكبرى، ما يدفعها إلى الاعتماد على تكتيكات غير متكافئة، مثل العمليات غير النظامية أو تهديد الممرات الحيوية.
وشدد على أن مضيق هرمز سيبقى ممرا دوليا خاضعا لإرادة المجتمع الدولي، نظرا لأهميته الإستراتيجية في حركة الطاقة والتجارة العالمية.