أصدرت دولة الإمارات تقريراً جديداً يستعرض جانباً متزايد الأهمية من ثورة الذكاء الاصطناعي، ألا وهو علاقته بقطاعي المياه والطاقة، وذلك في ظل التحولات المتسارعة وغير المسبوقة التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في الاقتصادات والمجتمعات.
يسلط التقرير، الذي يحمل عنوان "تيارات متقاطعة: التعامل مع الترابط بين الذكاء الاصطناعي والمياه والطاقة" (Crosscurrents: Navigating the AI–Water–Energy Nexus)، الضوء على متطلبات المياه والطاقة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي عبر كامل سلسلة القيمة الخاصة به، مع إبراز الفرص المتاحة لتوظيف الذكاء الاصطناعي ذاته في تحسين إدارة الموارد المائية، وتعزيز المرونة، وتسريع وتيرة الحلول للتحديات العالمية المتعلقة بالمياه.
مؤتمر الأمم المتحدة للمياه
ويأتي هذا التقرير استكمالاً لتقرير دولة الإمارات الصادر عام 2023 بعنوان "تأثير التموجات: شح المياه - التهديد الخفي للأمن والازدهار العالميين"، كما يأتي قبيل انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، الذي ستستضيفه دولة الإمارات والسنغال بشكل مشترك في أبوظبي خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر 2026.
وقد أُطلق التقرير على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، حيث يدعو إلى اعتبار المياه جزءاً جوهرياً من البنية التحتية وقرارات التخطيط التي تشكّل ملامح اقتصاد الذكاء الاصطناعي. كما يطرح التقرير خمس توصيات للمجتمع الدولي، تشمل دعوة مؤتمر الأمم المتحدة للمياه إلى المضي قدماً نحو صياغة إعلان عالمي توافقي بشأن الاستخدام الكفء والمسؤول للمياه في مجال الذكاء الاصطناعي.
يتناول التقرير استخدام المياه عبر سلسلة القيمة الكاملة للذكاء الاصطناعي، متجاوزاً مراكز البيانات ليشمل تصنيع أشباه الموصلات وعمليات توليد الطاقة اللازمة لتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي.
وتُعد هذه الرؤية الشاملة أمراً بالغ الأهمية، إذ تستدعي تبني نهج أكثر تكاملاً في التخطيط يجمع بين قطاعات المياه والطاقة والبنية التحتية الرقمية والتنمية الحضرية وتعزيز المرونة على المدى الطويل منذ المراحل الأولى.
الطاقة المتجددة
كما يسلط التقرير الضوء على إمكانات الطاقة المتجددة وأنظمة الطاقة الأخرى الأقل استهلاكاً للمياه في الحد من كثافة استخدام المياه المرتبطة بتشغيل الذكاء الاصطناعي، مع تحديد فرص للابتكار، وأنظمة الموارد الدائرية، وتحسين إدارة المياه لخفض الطلب وتعزيز المرونة.
وفي الوقت نفسه، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون جزءاً من الحل؛ فبدءاً من تحسين كفاءة أنظمة المياه ورصد التسربات، ووصولاً إلى تعزيز قدرات التنبؤ وتخطيط البنية التحتية وإدارة الموارد، يمكن للذكاء الاصطناعي مساعدة الدول على تغيير نظرتها للمياه وإدارتها بذكاء أكبر، والاستثمار الاستباقي قبل وقوع الأزمات بدلاً من الاكتفاء بالاستجابة لها بعد حدوثها.
ومن هنا، يدعو تقرير "Crosscurrents" (تيارات متقاطعة) إلى تغيير في المنظور: الانتقال من النظر إلى البصمة المائية للذكاء الاصطناعي كتحد يقتصر على البنية التحتية التكنولوجية، إلى إدراك العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والمياه والطاقة كقضية استراتيجية تتطلب تعاوناً عابراً للقطاعات والحدود.
وتأكيداً على أهمية الرؤى التي يطرحها التقرير، قالت وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي ريم الهاشمي: "نظراً لطبيعة مناخنا وبيئتنا، تدرك دولة الإمارات تماماً أهمية الإدارة المسؤولة للموارد المائية. ومع دخولنا عصر الذكاء الاصطناعي، تتاح لنا فرصة لتوجيه هذا التحول بمسؤولية منذ البداية. يهدف تقرير (Crosscurrents) إلى تشجيع حوار عالمي حول كيفية ضمان مساهمة الذكاء الاصطناعي في تعزيز المرونة المائية، وكيفية توظيف الابتكار لبناء مستقبل أكثر أماناً واستدامة للشعوب والمجتمعات في كل مكان".
وأضاف مساعد وزير الخارجية لشؤون الطاقة والاستدامة عبد الله بالعلاء: "تُعد المياه ركيزة أساسية للتنمية المستدامة والأمن الغذائي والازدهار الاقتصادي والسلام والاستقرار. ويضيف الذكاء الاصطناعي بُعداً جديداً لهذه المعادلة؛ فهو يفرض متطلبات جديدة فيما يتعلق بالمياه والطاقة، ولكنه يمنحنا أيضاً أدوات جديدة لإدارة المياه بكفاءة أكبر، وتوقع المخاطر، وتطوير الحلول بسرعة ونطاق أوسع".
"يُعد مؤتمر الأمم المتحدة للمياه في أبوظبي فرصةً للنظر إلى ما هو أبعد من التحديات الراهنة، والتساؤل عن طبيعة مستقبل المياه الذي نسعى لبنائه، وكيف يمكننا توظيف كافة الأدوات المتاحة — بما في ذلك الذكاء الاصطناعي — لتحقيق هذه الغاية".
وتم إعداد هذا التقرير من قِبَل البعثة الدائمة لدولة الإمارات العربية المتحدة لدى الأمم المتحدة، بدعم تحليلي من مجموعة "أوراسيا" (Eurasia Group).
وفي هذا السياق، صرّح المندوب الدائم لدولة الإمارات لدى الأمم المتحدة، حمد أبو شهاب، قائلاً: "يشهد الذكاء الاصطناعي تطوراً متسارعاً للغاية، وتقع على عاتقنا مسؤولية ضمان أن تكون البنية التحتية الداعمة لهذا التحول مرنةً ومصممةً لتكون كذلك منذ البداية؛ وهذا يعني ضرورة مراعاة قطاعي المياه والطاقة في مراحل التخطيط الأولية، وليس التعامل معهما كعقبات أو تحديات تُعالج لاحقاً.
وتعمل المؤسسات الأكاديمية والبحثية في دولة الإمارات بالفعل على استكشاف أساليب مبتكرة لتطوير تقنيات ذكاء اصطناعي تتسم بالكفاءة في استهلاك المياه، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في معالجة التحديات المتعلقة بالمياه.
ويقدم تقرير "Crosscurrents" (تيارات متقاطعة) خارطة طريق توضح كيف يمكن لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026 أن يساهم في توحيد هذه التجارب وبناء فهم دولي مشترك حول سبل تطوير ونشر الذكاء الاصطناعي بطرق تتسم بالمسؤولية، والكفاءة في استخدام الموارد، والتركيز على الإنسان".



