تعيش معظم دول العالم تحت وطأة التغيرات المناخية التي باتت واحدة من أخطر التحديات التي تواجه البشرية في العصر الحديث، لما لها من انعكاسات سلبية تؤثر وبشكل مباشر على مختلف جوانب الحياة، والتي قد تعصف بالأخضر واليابس.
وعلى ما يبدو فإنّ الموارد المائية في العديد من الدول، أصبحت في مرمى تهديدات التغيرات المناخية تلك، فخلال الآونة الأخيرة بدأت تتصاعد تحذيرات دولية من اضطراب أنماط سقوط الأمطار في حوض نهر النيل، إضافة إلى تزايد احتمالات تراجع الإيراد السنوي للنهر عن معدلاته المعتادة، وهو ما قد يُلقي بظلاله على الوضع المائي لمصر.
وتحمل موارد المياه داخل مصر أهمية كبيرة لاعتماد البلاد على نهر النيل كمصدر رئيسي للمياه، والذي يُعتمد عليه بشكل كامل لتلبية الاحتياجات الزراعية والسكنية والصناعية، إلا أنّ تغير المناخ مؤخرا، والذي تجلى في ارتفاع درجات الحرارة، وتغيّر أنماط هطول الأمطار، والظواهر الجوية المتطرفة، فرض تحديات كبيرة لهذه الموارد.
مخاوف وقلق
وزير الموارد المائية والريّ الأسبق الدكتور حسام الدين مغازي، وصف في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد": قضية التغيرات المناخية وتأثيرها على الموارد المائية في بلاده، من أهم القضايا، وتعدّ من أخطر التحديات التي تواجه المسؤولين في مصر عن هذه الموارد، مشيرا إلى أنّ ظاهرة التغيرات المناخية هي ظاهرة طبيعية قائمة بالفعل، وستزداد ضراوة خلال الأعوام القادمة ولن يستطيع أحد منعها.
وبينّ أنّ مصر تقع في نهاية رحلة نهر النيل بطول 6400كم، وهي تقع في آخر دول المصب، وبالتالي وضعها المائي حرج، لأنها تحصل ما يتبقى من دول حوض النيل من المياه، ومن ثم فإنّ أيّ تغيير في هذه الموارد، ستكون مصر من أكثر الدول تضررا عن أيّ دولة أخرى من دول حوض النيل، والتي تمتلك مواردها الأخرى سواء من أمطار أو درجات حرارة معينة، بخلاف مصر التي لا تمتلك الظروف المناخية اللي تملكها دول حوض النيل، حيث هي الدولة الوحيدة التي تقع في منطقة صحراوية، إضافة إلى أنها آخر دولة في حوض النيل.
وفي ما يتعلق بتأثير التغيرات المناخية على موارد مياه نهر النيل، أوضح مغازي أنّ هناك عددا من العلماء قاموا بعمل مجموعة من النماذج الرياضية، والتي أظهر بعضها أنّ التغيرات المناخية ستزيد من معدلات سقوط الأمطار حتى عام 2100، وهناك عدد آخر من تلك النماذج، أظهرت أنه سيحدث العكس، مشيرا إلى أنّ الدراسات التفاؤلية التي تُفيد بزيادة معدلات المياه والموارد والأمطار، هي الأكثر عددا، مقارنة بعدد محدود من الدراسات التشاؤمية، موضحا أنّ هذا الأمر يخص النيل الأبيض ومنابعه في بحيرة فيكتوريا.
أما النيل الأزرق ومنابعه في بحيرة تانا داخل إثيوبيا، فيمتلك ظروفا مناخية أخرى، ففي السنوات السابقة تم استقبال كميات أمطار قوية، وبالتالي فربما الشواهد تسير مع السيناريو التفاؤلي، ولكنه لفت إلى أنّ خبراء المياه لا يعتمدون على توقعات فقط، بل يضعون أسوأ السيناريوهات المحتملة، فربما يكون هناك نقص في سقوط الأمطار، ومن ثم لا بد وأن نضع أسوأ السيناريوهات، لكي نكون مستعدين لأيّ طارئ قد يحدث.
ولفت مغازي إلى أنّ وزارة الري في بلاده لديها قسم خاص بدراسة تأثير المناخ على موارد المياه، مع القدرة على إعطاء إنذار مبكّر، سواء بقدوم مياه أكثر أو العكس، من خلال تحليل السحب الرخامية، وتحليل الظواهر كافة، وبالتالي الوصول إلى نتائج تساعد على اتخاذ القرار المناسب بالنسبة للبيت المائي المصري، سواء بالاستعداد لاستقبال مياه أكثر أو العكس.
وأوضح أنّ الوزارة تقوم بوضع سيناريوهات لكل حالة على بناء على كميات المياه المتوقعة، سواء من الهضبة الإثيوبية أو الهضبة الاستوائية.
الحلول التقليدية غير كافية
ويرى مغازي أنّ الحلول التقليدية القائمة على إدارة الموارد المائية الحالية، ليست كافية لمواجهة التحديات، كاشفا أنّ بلاده بدأت في الاتجاه نحو الموارد المائية غير التقليدية والمتمثلة في الآتي:
- إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي.
- إعادة استخدام مياه الصرف الصحي المعالج، حيث إنّ الكثير من دول العالم تقوم باستخدام هذا النوع بصورة مثالية بدون أيّ أثار سلبية على صحة الإنسان.
- حصاد مياه الأمطار.
واستشهد مغازي بمشروع الدلتا الجديد، واصفا إياه بأنه يمثل خير نموذج للاعتماد على المصادر المائية غير التقليدية، مؤكدا أنّ توجه مصر في الوقت الحالي، هو البحث عن موارد إضافية غير تقليدية، من أجل سد العجز والفجوة الحاصلة من مياه نهر النيل.
ارتفاع درجات الحرارة
وبدوره يقول خبير المياه الدولي الذي كان يشغل منصب نائب رئيس المركز القومي لبحوث المياه في مصر، الدكتور ضياء الدين القوصي، إنّ ارتفاع درجات الحرارة، يعدّ من أبرز العوامل التي تؤدي إلى وجود تغير في المناخ، ما يتسبب في ارتفاع الاحتياجات المائية، سواء المستخدمة في المنازل أو الزراعة أو المصانع، وهو ما يساهم في وجود ضغط على الإمدادات المائية، إضافة إلى أنّ ارتفاع الحرارة يساهم في زيادة "التبخّر"، وكشف أنّ نحو 70% من سطح الكرة الأرضية بحار، وبالتالي عندما يزيد التبخّر الخارج من هذه البحار، يزيد تكوّن السحب، ومن ثم تزيد الأمطار، فيحدث خلل في توزيع منظومة المياه، لأنّ هناك مناطق تنزل فيها الأمطار فتحدث سيول، وهناك مناطق أخرى تشح فيها الأمطار فيحدث جفاف شديد.
وأضاف القوصي في حديث لمنصة "المشهد"، أنّ ارتفاع درجات الحرارة مع ارتفاع تبخّر البحار، يؤدي إلى وجود خلل في توزيع هطول الأمطار، وكشف أنّ منطقة حوض النيل ستحدث فيها زيادة في هطول الأمطار خلال الفترة بين عامي 2020 و2040، ثم سيحدث هبوط شديد في الفترة من 2040 وحتى 2070، وذلك وفقا للهيئة الدولية المعنية بتغيّر المناخ، مؤكدا أنّ الأعوام الماضية شهدت بالفعل هطولا شديدا للأمطار في منطقة حوض النيل، والدليل على ذلك حدوث فيضانات ما اضطر إثيوبيا إلى فتح خزانات سد النهضة في فترة من الفترات، كما وقعت فيضانات عديدة داخل السودان مؤخرا.
أما في ما يتعلق بمدى قدرة مصر من عدمه على التكيف مع عصر الندرة المائية، فقد أوضح خبير المياه، أنّ مصر تقوم بجهود حثيثة في هذا الصدد، من أجل التكيف مع ندرة المياه الحاصلة، من خلال الآتي:
- تعيد استخدام كل ما يمكن استخدامه من المياه.
- التركيز على مشروعات التحلية .
- ترشيد استخدام المياه في الأغراض المختلفة.
- الحفاظ على البيئة المائية من التلوث.
وأشار إلى أنّ مصر تواجه ضائقة مائية شديدة جدا، وتحتاج إلى إدارة مائية قوية لكي تستطيع التكيف مع التغيرات المناخية.