في قلب المعترك السياسي الإسرائيلي، حيث تتشابك الطموحات الشخصية مع الحسابات الانتخابية المصيرية، يشتعل صراع غير مسبوق داخل معسكر اليمين بين رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. فبينما يصرّ بن غفير على خوض الانتخابات المقبلة منفرداً، رافضاً الاندماج مع حزب الصهيونية الدينية بزعامة بتسلئيل سموتريتش، ومستنداً في ذلك إلى استطلاعات داخلية تُظهر أنّ الاستقلالية قد تمنحه من 7 إلى 8 مقاعد، مقابل خسارة تصل إلى 4 مقاعد في حال الاندماج، يردّ نتانياهو بخطوة مضادة تتمثل في إبرام اتفاق "فائض أصوات" مع سموتريتش، لإقصاء بن غفير من أيّ آلية لتجميع الأصوات الفائضة، والإعلان صراحةً أنّ حقيبتَي الدفاع والأمن القومي ستبقيان حكراً على الليكود.
وهذا التصادم العلني لم يعد خلافاً شخصياً بينهما، بل تحوّل إلى أزمة بنيوية تمسّ آلية توزيع المقاعد نفسها. وهو لا يهدد بتمزيق الكتلة اليمينية وإهدار آلاف الأصوات فحسب، في نظام انتخابي لا يرحم المتنافسين، بل يضع طموح بن غفير في تولّي حقيبة الدفاع أمام اختبار وجودي، ويطرح سؤالاً مصيرياً: هل يخسر اليمين الإسرائيلي أصواته بسبب خلاف قياداته، أم إنّ هذا الصراع مجرد فصل جديد في مسلسل الانقسامات التي أعادت تشكيل الخريطة السياسية الإسرائيلية مراراً وتكراراً؟
وفي ظل هذه المواجهة المفتوحة، تتقاطع حسابات المقاعد مع معطى انتخابي لا يقل خطورة، إذ تُظهر استطلاعات الرأي الإسرائيلية تراجعاً مقلقاً في شعبية الليكود لصالح أحزاب وسطية صاعدة، ما يمنح الصراع بين الرجلين بعداً وجودياً لا يقتصر على حسابات المقاعد، بل يمتد إلى مستقبل اليمين الإسرائيلي بأكمله، في مواجهة معسكر وسط يسعى إلى استعادة السلطة.
حسابات الأصوات
منذ أن رفض بن غفير الاندماج مع سموتريتش وأعلن خوضه الانتخابات منفرداً، تحوّل الخلاف من تصريحات حادة إلى معركة على كل صوت يميني، مع تحذيرات ليكودية من إهدار آلاف الأصوات. وفي هذا الصدد، أشار الخبير في الشأن الإسرائيلي فراس ياغي، لمنصة "المشهد"، إلى أنّ كتلة اليمين لن تخسر بسبب الخلاف بين نتانياهو وبن غفير، إذ إنّ "الخسارة ستكون بتحوّل الأصوات من الليكود إلى بن غفير، لذلك هاجم الليكود حزب عوتسمات يهوديت، وبعد أن اكتشف أنّ كل تصريحاته ضد بن غفير لم تؤثر في الاستطلاعات الداخلية في كتلة اليمين، بل أدت إلى تعزيز حزب بن غفير، اضطر الليكود إلى التصريح علناً بأنّ بن غفير سيكون وزيراً رفيع المستوى في أيّ حكومة يشكّلها نتانياهو، مع العلم أنّ الليكود كان قد نفى سابقاً أنه سيعيّن بن غفير وزيراً للدفاع أو وزيراً للأمن القومي".
في النظام الانتخابي الإسرائيلي، لا يكفي الفوز بالأصوات، بل يجب تحويلها إلى مقاعد. وهنا يبرز اتفاق فائض الأصوات كأداة حاسمة، بعد أن وقّع الليكود اتفاقاً مع سموتريتش واستبعد بن غفير من أيّ آلية لتجميع الفائض.
ويضيف الخبير في الشأن الإسرائيلي ياغي، لمنصة "المشهد"، أنّ "مشكلة كتلة اليمين ليست خوض بن غفير الانتخابات منفرداً، فهو خاض الانتخابات مع سموتريتش عام 2022 في تحالف انتخابي، ولم يتحالف مع الليكود في الانتخابات. لكن في هذه الانتخابات، احتدم الصراع بين الطرفين على أصوات الناخبين اليمينيين، ومع انتقال طالي غوتيلف من الليكود إلى حزب بن غفير، وحصولها على المركز الثاني في القائمة، تعززت فرص انتقال الناخبين المترددين بين الحزبين ليذهبوا إلى بن غفير، بل إنّ تقديرات بن غفير تشير إلى أنّ انتقالها سيزيد مقاعده بمقعدين نتيجة انتقال القاعدة اليمينية المتشددة في الليكود إلى التصويت لصالح قائمة عوتسمات يهوديت".
واستدرك ياغي حديثه لمنصة "المشهد" قائلاً: "فيما يتعلق باتفاقيات فائض الأصوات، وقّع الليكود اتفاقية بهذا الخصوص مع سموتريتش، ورفض أن يوقّع مع بن غفير، الذي اتهم الليكود بأنه يريد إضعافه، في حين رفض بن غفير توقيع اتفاقية فائض أصوات مع حزب عميخا إسرائيل، واتهم زعيمه عوفر فينتر بأنه بينيت، أما حزب هندل وزليخا، فهما من رفضا توقيع اتفاقية فائض الأصوات مع بن غفير، لذلك بقي من دون أيّ اتفاقية".
في خضمّ ذلك، يطالب بن غفير صراحةً بحقيبة الدفاع، فيما يصرّ نتانياهو على بقاء الحقائب الأمنية في الليكود. وهذا التصادم يضع طموح بن غفير أمام اختبار وجودي، ويطرح تساؤلات حول قدرة اليمين على الحفاظ على تماسكه.
وفي هذا الصدد، يؤكد ياغي أنّ التنافس بين الطرفين يتعلق بالصراع الداخلي في كتلة اليمين، وأنّ ذلك لن يؤثر في عدد مقاعد اليمين، لكنّ "التأثير يتعلق بمن لديه القوة بين جمهور اليمين من جهة، ومن جهة أخرى، يؤثر ذلك في الليكود الذي يخسر مقاعد لصالح بن غفير وبقية أحزاب اليمين الصغيرة، ما يمنعه من أن يكون الحزب الأكبر بين كل الأحزاب الإسرائيلية. وما يؤثر في كتلة اليمين هو ظهور قوائم صغيرة تخوض الانتخابات ولا تصل إلى نسبة الحسم، وأهم هذه القوائم هي قائمة عوفر فينتر، التي توجد على حافة نسبة الحسم. وبالتالي، إذا لم تصل إلى نسبة الحسم، فإنّ حظوظ كتلة اليمين سوف تتأثر بشكل كبير، ولن تحقق الفوز، ولن يستطيع نتانياهو تشكيل حكومة مثل الائتلاف الذي يقود دولة إسرائيل حالياً، ما يعني أنّ طموح بن غفير في أن يكون وزيراً للدفاع سوف يتبخر. وللعلم، نتانياهو وعد الأوروبيين بألّا يضم بن غفير إلى أيّ ائتلاف حكومي سيشكّله، وفق ما قال بن غفير".
اتفاق فائض الأصوات
بعد أيام عدة، تتجه إسرائيل إلى انتخابات الكنيست، غير أنّ معسكر اليمين بقيادة نتانياهو يدخلها بصفوف ممزقة؛ فالليكود يتجاهل بن غفير علناً، ويبرم اتفاق فائض أصوات مع سموتريتش، تاركاً حزب "القوة اليهودية" وحده بلا شريك تحالف، في حين تضع استطلاعات الرأي معسكر نتانياهو عند 51 مقعداً، مقابل 53 للمعارضة، بينما يُتوقع أن يحصد بن غفير منفرداً 8 إلى 9 مقاعد، ليكون رابع قوة في الكنيست.
وفيما يتعلق بتبديد اليمين الإسرائيلي أصواته من جرّاء الخلافات بين نتانياهو وبن غفير، يوضح الخبير والباحث السياسي كوبي لافي، لمنصة "المشهد"، أنّ "اليمين يخسر الأصوات من حيث المبدأ، لكنّ ذلك ليس انهياراً. المشكلة الحقيقية ليست الخلاف نفسه، بل تأثير الجاذبية الذي يمارسه بن غفير على قاعدة الليكود. وتُظهر استطلاعات الرأي أنّ بن غفير قد يحصل على 9 مقاعد، وهو ما يمثل تهديداً مباشراً للناخبين الشباب واليمينيين الذين ينتمون تقليدياً إلى الليكود، لكنّ هذا يعني انتقالاً داخل الكتلة، وليس تصويتاً لليسار. وطالما أنّ الكتلة اليمينية الإجمالية لا تتغير، فإنّ الخسارة محدودة".
وفي السياق نفسه، يرى الأكاديمي والمحلل السياسي د. روني شاكيد أنّ "الخسارة ستكون ملموسة. فالتوتر العلني بين نتانياهو وبن غفير يرسل رسالة عدم استقرار للناخبين اليمينيين، والأكثر خطورة أنّ خطاب الليكود يهاجم بن غفير بشدة، واصفاً إياه بأنه يحرق أصوات اليمين، ما قد يحبط أنصار بن غفير ويقلل من إقبالهم. وفي الانتخابات الإسرائيلية، معدل الإقبال هو الأساس، وإذا تحوّل دعم بن غفير إلى إحباط، فإنّ المقاعد الفعلية للكتلة اليمينية ستتقلص".
ووصف الخبير السياسي لافي، لمنصة "المشهد"، تداعيات خوض بن غفير الانتخابات منفرداً وخلافه مع الليكود على اتفاق فائض الأصوات بأنها "ضربة قاسية"، موضحاً أنّ "فائض الأصوات يحتاج إلى شريكين يستطيعان تجاوز نسبة الحسم لتحقيق أقصى استفادة، ورفض الليكود التوقيع مع بن غفير هو عقاب واضح له. والأكثر كارثية أنّ بن غفير رفض أيضاً التوقيع مع أوفير وينتر، ما جعل قائمته الوحيدة في الكتلة اليمينية من دون شريك في اتفاق فائض الأصوات. وهذا يعني أنه إذا لم يكن هناك فائض، فإنّ عشرات الآلاف من الأصوات التي يحصل عليها حزبه قد تُهدر في الجولة الأخيرة من توزيع المقاعد، ولن تتحول إلى مقعد إضافي".
واعتبر المحلل السياسي د. شاكيد، لمنصة "المشهد"، أنّ "بن غفير يقوم بانتحار سياسي، لأنّ فائض الأصوات هو آلية لتجميع المقاعد في النظام الانتخابي الإسرائيلي. وبدونه، حتى لو حصل على 8 مقاعد، فقد لا يحصل على المقعد التاسع في الجولة الأخيرة، لكنه يراهن على أنّ قوته كافية لجعل نتانياهو يتوسل إليه بعد الانتخابات. وهذه مقامرة عالية المخاطر، فإذا خسر، فإنه لا يضر بنفسه فقط، بل يقلل من مرونة نتانياهو في تشكيل الحكومة".
وحول مدى تأثير المنافسة بين نتانياهو وبن غفير على فرص معسكر اليمين وطموحه بحقيبة الدفاع، يرى الخبير السياسي لافي أنّ هذه هي النقطة الأساسية، قائلاً: "بن غفير يريد حقيبة الأمن القومي أو الدفاع، لكنّ نتانياهو أعلن بوضوح أنّ حقيبة الدفاع ستبقى في الليكود، لأنّ نتانياهو يدرك أنّ تولّي بن غفير منصب وزير الدفاع سيؤدي إلى تدهور العلاقات مع الولايات المتحدة وأوروبا، وسيدفع آيزنكوت، الذي قد يكون شريكاً في حكومة الوحدة، بعيداً. وإذا استمر الصراع بينهما، فإنّ طموح اليمين للفوز بحقيبة الدفاع شبه مستحيل، لأنّ نتانياهو يفضل التنازل للوسط، لآيزنكوت، بدلاً من منحها لبن غفير".
ومن وجهة نظر الخبير السياسي د. شاكيد، فإنّ "طموح بن غفير في حد ذاته يضر بقابلية الحكومة للبقاء. فأيّ رئيس وزراء يريد تشكيل حكومة مستقرة لن يضع شخصاً يتحدث بطريقته على رأس وزارة الدفاع، لذا فإنّ المنافسة لا تقلل من فرص اليمين فحسب، بل تجعل تولّيه حقيبة الدفاع، في نظر الناخبين المعتدلين، أمراً غير مقبول. فنتانياهو يحتاج إلى أصوات، وليس إلى عبء".
طموح حقيبة الدفاع
تشير استطلاعات الرأي الإسرائيلية إلى أنّ كتلة اليمين بزعامة نتانياهو تفتقر إلى أغلبية مستقرة، وأنّ الانقسام الداخلي يعرّض مقاعدها للخطر. والمنافسة بين نتانياهو وبن غفير هي صراع على النفوذ داخل اليمين المتطرف. وفي تقدير الباحث في الشؤون الإسرائيلية عادل شديد، لمنصة "المشهد"، فإنّ "الصراع يقوّض قدرة الكتلة على تحويل الأصوات إلى مقاعد، فطموح بن غفير لحقيبة الدفاع يصطدم بحاجة نتانياهو إلى شريك يمكن السيطرة عليه، لا منافس قوي".
ويتابع الباحث في الشؤون الإسرائيلية شديد، في حديثه لـ"المشهد"، قائلاً: "المنافسة بين نتانياهو وبن غفير ليست خلافاً شخصياً فحسب، بل هي صراع على من يملك القدرة على تحديد أجندة اليمين المتطرف. وهذا الصراع يقوّض مباشرة قدرة الكتلة على تحويل الأصوات إلى مقاعد. وطموح بن غفير للحصول على حقيبة الدفاع أو الأمن القومي يصطدم بعقبة حقيقية في هذه البيئة، فنتانياهو بحاجة إلى شريك يمكن السيطرة عليه، وليس منافساً قوياً بما يكفي لتحدي سلطته".
وفي قراءته لاختيار نتانياهو سموتريتش بدلاً من بن غفير، يشير الباحث في الشؤون الإسرائيلية شديد، لمنصة "المشهد"، إلى أنّ "اختيار نتانياهو لسموتريتش بدلاً من بن غفير لتوقيع اتفاق فائض الأصوات هو نتيجة لحساب هادئ للقوة. فسموتريتش يتأرجح بالقرب من نسبة الحسم الانتخابية، ويحتاج إلى دعم الليكود للبقاء، بينما بن غفير لديه قاعدة أكثر صلابة، ورفض علناً التعاون مع نتانياهو لتشكيل حكومة وحدة مع الوسط. وبالتالي، فإنّ ترك بن غفير من دون اتفاق فائض أصوات يعني أنه سيخسر الأصوات الفائضة، وهذا بالضبط ما يريده نتانياهو: إبقاء شريك صغير تحت السيطرة، وليس شريكاً قوياً يمكنه ابتزازه".



