في إطار توجه مصر نحو تنويع علاقاتها الدولية خصوصاً في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها النظام الدولي، أنهى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي جولة آسيوية استمرت قرابة أسبوع، شملت زيارات رسمية إلى كل من كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا.
ووفقاً لدبلوماسيين مصريين فإن هذا التحرك يستهدف سعي بلادهم باتجاه توسيع علاقاتها الخارجية وتعزيز حضورها في القارة الآسيوية، من أجل توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والتنموي مع بلدان تلك القارة التي باتت إحدى أبرز مراكز الثقل الاقتصادي والتكنولوجي في العالم.
ويبدو أن جولة السيسي في دول شرق آسيا تكتسب أهمية خاصة، خصوصا في ظل ما تمتلكه الدول الـ3 من إمكانات اقتصادية وتكنولوجية متعددة، وهو ما يساهم في توسيع خيارات مصر في التعامل مع التحديات العالمية، في ظل بيئة دولية تتسم بتعدد مراكز القوى وتنامي المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية.
توازن في علاقة مصر الخارجية
أمين عام المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير علي الحفني، وصف في تصريحات خاصة لمنصة "المشهد"، الجولة الآسيوية للرئيس السيسي بالناجحة للغاية، مؤكدا أن الدول الـ3 التي زارها السيسي المتمثلة في (كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا)، لها ثقل ووزن كبير على المستويين الإقليمي والدولي.
ولفت إلى أن التشاور السياسي معهم بخصوص عدد من الملفات الهامة وعلى رأسها، الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، مسألة تحرص عليها القاهرة ويهمها تبادل وجهات النظر والاستماع إلى تقديرات هذه الدول فيما يتعلق بمختلف القضايا، والتنسيق في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
وأوضح الحفني أن هذه الجولة تعكس التوازن في علاقة مصر الخارجية ومدى اهتمامها في شراكتها الدولية، بالشكل الذي يحقق المنافع المتبادلة مع تلك الدول، واستمرار تحقيق قوة دفع بشأنها بالشكل الذي ينعكس على مصالح الدولة المصرية، مبيناً في الوقت نفسه أن بلاده تمتلك علاقات قديمة وراسخة مع دول شرق آسيا، وبالتالي من الأهمية بمكان الحفاظ على هذه العلاقات.
تعدد الشراكات لا يعني تشتت الأولويات
ويعتقد الحفني أن الجولة الآسيوية للسيسي تتجاوز إطار الزيارات الدبلوماسية التقليدية، وتعكس تحركًا إستراتيجياً يستهدف توسيع خيارات مصر الاقتصادية والسياسية والأمنية، في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة والعالم.
ونوه إلى أن تعدد محاور السياسة الخارجية المصرية لا يعني تشتت الأولويات، بل يعكس سعياً إلى بناء شبكة متوازنة من الشراكات التي تتكامل فيها المصالح السياسية والاقتصادية والتنموية.
وأوضح أن العلاقات مع الدول الآسيوية والإفريقية إلى جانب التعاون مع الشركاء في مختلف أنحاء العالم، تتيح للقاهرة فرصاً أوسع لجذب الاستثمارات ونقل المعرفة والتكنولوجيا وفتح الأسواق، وتظل القيمة الحقيقية لهذه التحركات مرهونة بقدرتها على ترجمة التفاهمات السياسية إلى مشروعات ملموسة وفرص عمل ومكاسب تنموية يشعر بها المواطن.
مكاسب سياسية
وبدوره يرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير محمد حجازي في حديثه لمنصة "المشهد"، أن توسيع العلاقات المصرية الآسيوية يعزز قدرة القاهرة على تنويع شراكاتها، وتوسيع مساحة حركتها الدبلوماسية، إضافة إلى بناء تفاهمات بشأن استقرار التجارة الدولية، وأمن الممرات البحرية، والأمن الغذائي، وإصلاح مؤسسات الحوكمة العالمية، دون أن يعني ذلك استبدال شراكة دولية بأخرى، بل تأسيس شبكة متوازنة من العلاقات تقوم على المصالح المتبادلة واحترام استقلالية القرار الوطني.
وأكد أن الرهان المصري لا يقتصر على اتساع دائرة العلاقات، بل يمتد إلى قدرتها على إنتاج قيمة مضافة، وبناء شراكات طويلة الأجل، وتحويل الموقع الإستراتيجي إلى قوة اقتصادية، والتقارب السياسي إلى مصالح متبادلة تدعم التنمية الوطنية، وتعزز حضور مصر وتأثيرها في نظام دولي متعدد المراكز والشراكات، مضيفاً أن التحدي الحقيقي في المرحلة المقبلة هو ترجمة هذا الزخم إلى نتائج قابلة للقياس، تجعل من العلاقات المصرية الآسيوية رافعة للتنمية والتصنيع والتصدير، وتعزز مكانة مصر مركزاً للربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
وبين حجازي أن الجولة الرئاسية لم تكن مجرد سلسلة من الزيارات الثنائية، بل مثلت تحركاً إستراتيجياً يستهدف فتح آفاق جديدة للتعاون مع دول تمتلك خبرات صناعية وتكنولوجية متقدمة، وأسواقاً واسعة، وقدرات استثمارية يمكن أن تسهم في دعم أولويات التنمية المصرية.
وأوضح أن التعاون مع كوريا الجنوبية يفتح آفاقاً أوسع في التصنيع المتقدم والسيارات والإلكترونيات والاتصالات والطاقة النظيفة، بينما تتيح ماليزيا فرصاً في الصناعات التحويلية والتكنولوجيا والمنتجات الغذائية والصناعات الحلال، وتمثل إندونيسيا سوقاً مهمة لتوسيع التجارة والتعاون في الصناعات الغذائية والدوائية والمنتجات الكيماوية والخدمات البحرية.
فرص استثمارية واعدة
وبحسب مساعد وزير الخارجية المصري فإن المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، توفر فرصة إستراتيجية لتحويل هذه الإمكانات إلى مشروعات ملموسة، من خلال جذب الاستثمارات الآسيوية، وتوطين جانب من الصناعات والتكنولوجيا، وإقامة خطوط إنتاج مشتركة تستهدف السوق المصرية والأسواق الإفريقية والعربية والأوروبية، وهو ما يتطلب الانتقال من الاتفاقيات العامة إلى تحديد مشروعات ذات أولوية، وجداول زمنية للتنفيذ، وآليات متابعة تضمن زيادة الصادرات والمكون المحلي وفرص العمل ونقل المعرفة الصناعية.
وأشار إلى أن أهمية هذا التحرك تبرز في توقيته، في ظل التحولات المتسارعة في الاقتصاد العالمي، والتنافس على التكنولوجيا والأسواق ومصادر الطاقة، واضطراب سلاسل الإمداد والممرات البحرية، بما يدفع الدول إلى تنويع علاقاتها الدولية وتوسيع خياراتها الاقتصادية والإستراتيجية.
وفي هذا السياق تسعى مصر إلى توظيف موقعها الجغرافي واتصالها بأسواق إفريقيا والعالم العربي وأوروبا، إلى جانب قناة السويس وموانئها وبنيتها الأساسية، لتكون شريكاً إنتاجياً واستثمارياً، لا مجرد ممر لحركة التجارة الدولية.



