كان أول ما سُمع هو صوت تكسّر الزجاج، ثم وقع الانفجار. وسط حالة من الصمم والذهول، خرج "وحداد" إلى مرآب مبنى سكنه في أحد أحياء بيروت المركزية الهادئة عادة.
هناك، رأى 4 أشخاص ملقين على جدار مجمّع المبنى، وقد قُذفوا من المبنى المجاور الذي يبعد نحو 10 أمتار فقط عن المكان الذي ينام فيه عادة.
وقال إن واحداً فقط كان لا يزال على قيد الحياة، لكنه مصاب بجروح خطيرة، وكانت الدماء لا تزال على الجدار في اليوم التالي. وأضاف أنه أنزل المصاب باستخدام سلّم، وبدأ بمعالجته فوق كومة من الركام والحديد الملتوي وألعاب الأطفال.
وقال وحداد، الذي رفض ذكر اسمه الكامل: "في البداية لم أفهم لماذا تأخر المسعفون كل هذا الوقت. كنا نظن أنها ضربتنا فقط، لكننا أدركنا سريعاً أن بيروت كلها كانت تحترق.. بل لبنان كله".
100 هدف في 10 دقائق
وقع الاستهداف في منطقة المنارة على الواجهة البحرية لبيروت بعد الساعة الثانية بعد الظهر يوم الأربعاء. وتقول إسرائيل إنها ضربت 100 هدف في بيروت وسهل البقاع وجنوب لبنان خلال أقل من 10 دقائق، في واحدة من أعنف حملات القصف في تاريخ بلد أنهكته عقود من الحرب.
وبحسب وزارة الصحة اللبنانية، أسفرت الضربات عن مقتل ما لا يقل عن 303 أشخاص وإصابة أكثر من 1,150 آخرين في ذلك اليوم.
شملت الضربات أكثر من 50 موقعاً في أنحاء لبنان، من أحياء وسط بيروت التي كانت بمنأى عن القتال إلى بلدة جبلية تؤوي نازحين، وفق حصيلة لوكالة "فايننشال تايمز".
وارتفع عدد القتلى لاحقاً، إذ كانت فرق الإنقاذ لا تزال تنتشل جثثاً من تحت الأنقاض في مواقع عدة ببيروت. وكان عدد الضحايا أعلى حتى من انفجار مرفأ بيروت عام 2020.
وجاءت الغارات شبه المتزامنة بعد حالة من الارتباك في لبنان بشأن ما إذا كان اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران يشمل البلاد أيضاً. وبينما قالت باكستان وإيران إن لبنان جزء من الاتفاق، أكدت إسرائيل والولايات المتحدة العكس، ما دفع بعض النازحين للعودة إلى منازلهم ظناً بأن الحرب انتهت.
وأطلقت إسرائيل على الهجوم اسم "عملية الظلام الأبدي"، وقالت إنها استهدفت "مراكز قيادة وسيطرة" تابعة لـ"حزب الله"، وقتلت أكثر من 200 عنصر، وهو توصيف رفضه كثير من السكان الذين أكدوا أنهم يعرفون جيرانهم منذ سنوات طويلة ولم يلاحظوا أي نشاط عسكري في مبانيهم.
لكن بعض السكان أقرّوا بصعوبة التأكد من هوية القاطنين، خصوصا مع تدفق النازحين.
دمار واسع في بيروت
رصدت "فايننشال تايمز" مباني سكنية وتجارية متعددة الطوابق في بيروت تحولت إلى ركام أو دُمّرت بالكامل، حيث دُمرت عشرات الشقق.
وخارج العاصمة، طالت الضربات موكب جنازة، ومراكز توزيع مساعدات للنازحين، ومستشفى، إضافة إلى مدنيين كانوا يتجولون مع أطفالهم.
وقالت إسرائيل إنها قتلت علي يوسف الحرشي، السكرتير الشخصي ونجل شقيق قائد "حزب الله" نعيم قاسم. ومن بين القتلى أيضاً أطفال وشاعر ومدافع عن ضحايا انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وصحفيان و4 من الجيش اللبناني.
وقالت وزارة الصحة إن 110 من القتلى كانوا من الأطفال والنساء وكبار السن.
حالة ذهول وخوف في الشارع
تجول سكان بيروت في حالة من الذهول، وسط شعور متزايد بأن لا مكان آمناً.
وقال محمد دياب، طالب محاسبة يبلغ من العمر 24 عاماً: "لو لم أكن في الجامعة، لكنت ميتاً الآن… لم يعد هناك شيء اسمه أمان. كيف يمكن أن نكون بأمان؟".
وأضاف أن ما حدث كان رسالة واضحة بأن إسرائيل قادرة على الضرب "متى وأينما تريد".
وأشارت تقارير إلى أن الجيش الإسرائيلي بدأ يحذر من انتقال مقاتلي "حزب الله" من الأحياء ذات الغالبية الشيعية إلى مناطق مختلطة في لبنان وبيروت.
وأدت الحرب إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، بينهم كثير من الشيعة، الذين غالباً ما يُنظر إليهم كمؤيدين لحزب الله.
وتصاعدت التوترات في لبنان وسط مخاوف من اندلاع صراع أهلي، مع انتشار الشائعات فور كل ضربة حول هوية المستهدفين.
وقال عبدو خليل، أحد الناجين من غارة في بيروت: "إسرائيل تضع الأساس لحرب أهلية… تحاول جعلنا نشك ببعضنا البعض".
استمرار العمليات
وفي المقابل، قال مسؤول إسرائيلي إن "حزب الله" كان ينتقل إلى مناطق جديدة لم يكن فيها سابقاً، معتبراً أن الجيش استغل "فرصة عملياتية كبيرة وتوقيتاً مناسباً".
وبينما التزم "حزب الله" الصمت قبل الهجوم بانتظار وضوح موقف وقف إطلاق النار، أطلق لاحقاً صواريخ عدة باتجاه إسرائيل، ما زاد المخاوف من رد انتقامي واسع.
وفي الوقت نفسه، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن إسرائيل "تقلص عملياتها" في لبنان.
لكن رغم الهدوء النسبي في بيروت، استمرت عمليات الإنقاذ وانتشال الجثث، فيما كانت سيارات الإسعاف تنقل الضحايا، أحياناً على شكل أشلاء، إلى المستشفيات وسط صمت ثقيل خيّم على المدينة.