بدا لافتًا التصعيد الأميركي تجاه محاولات الجيش في السودان وعلى رأسه عبد الفتاح البرهان، ومن خلال التحالف مع جماعة "الإخوان" وذراعها العسكرية "البراء بن مالك" المصنفين على قوائم الإرهاب، عرقلة جهود التسوية وإنهاء الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
هدنة إنسانية
وكان البرهان قد عاود التأكيد على ممانعته الانخراط في أيّ مفاوضات من شأنها طيّ صفحة النزاع، وذلك بالتزامن مع انعقاد جلسة بشأن السودان في مجلس الأمن الجمعة.
وقال كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا مسعد بولس، إن البرهان يواصل رفض دعوات المجتمع الدولي التي تهدف إلى هدنة إنسانية تمهد لوقف دائم لإطلاق النار، وتشكل بيئة مواتيّة لحوار جادٍ ينهي الحرب.
وبحسب ما ذكر كبير مستشاري الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا، فمجلس السيادة السوداني برئاسة البرهان "يرفض باستمرار الدعوات الأميركية لإقرار هدنة إنسانية من شأنها أن تمهد الطريق للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في السودان".
نفوذ "الإخوان"
إثر إخفاقات متتاليّة لنحو 10 مبادرات إقليمية ودولية لوقف الحرب، برز مقترح الهدنة الإنسانية، الذي تضمنته خطة اللجنة الرباعية المعلنة في سبتمبر العام الماضي، ليؤطر مسارًا جديدًا لإنهاء الحرب. إلا أنّ قيادة الجيش بتحالفها مع "الإخوان" نجحت في تعطيل هذا المسار، وفق مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، وقد شددوا على أنّ الهدف من وراء ذلك كله هو التخوف الشديد داخل معسكر البرهان من أن يؤدي أيّ اتفاق سياسي إلى إعادة تشكيل موازين القوى وإضعاف نفوذ "حلفائه الإسلاميين" داخل المؤسسة العسكرية والمشهد السياسي.
إذ إنّ الخطة، التي تقترح هدنة إنسانية لمدة 3 أشهر، تتيح إيصال المساعدات الإغاثية إلى مختلف أنحاء السودان، يعقبها وقف دائم لإطلاق النار، ثم إطلاق عملية انتقال سياسي شاملة وشفافة في غضون 9 أشهر من سريان الهدنة، تستبعد قادة طرفي النزاع، إلى جانب "الإخوان"، من أيّ ترتيبات سياسية أو تنفيذية في المرحلة الانتقالية المقبلة.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن التصعيد الأخير في الموقف الأميركي يعكس تحولًا في مقاربة واشنطن للحرب الدائرة في السودان، بعد أشهر من محاولات الوساطة الرامية إلى وقف القتال، حيث إنّ تحميل البرهان مسؤولية تعطيل مبادرات السلام، خصوصًا الدعوات إلى هدنة إنسانية، يشير إلى تضاؤل هامش المناورة أمام قيادة الجيش، مع تفاقم الضغوط الدولية والعقوبات في وقت يتمسك فيه البرهان بخيار الحسم العسكري.
عقوبات جديدة
وتزامن مع انعقاد جلسة مجلس الأمن الدولي، فرض وزارة الخزانة الأميركية حزمة عقوبات جديدة طالت شركة هندية وشركات تابعة للمؤسسة العسكرية السودانية، على خلفية استخدام السلاح الكيميائي خلال الحرب.
وفي بيان صحفي، وصفت وزارة الخارجية والتعاون الدولي السودانية ما ذكره مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والإفريقية بأنه "غير دقيق"، مشددة على أن مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها مجلس السيادة الانتقالي، تعاملت منذ اندلاع الحرب بانفتاح ومسؤولية مع مختلف المبادرات التي تستهدف وقف القتال، وتخفيف معاناة المدنيين، واستعادة الأمن والاستقرار.
وفي حديثه لمنصة "المشهد"، قال الباحث في الشأن السوداني ومدير مرصد الساحل الإفريقي محمد علي الكيلاني، إن الجيش في السودان وعلى رأسه عبد الفتاح البرهان، يواصل رفض مبادرات وقف إطلاق النار، ويتمسك بخيار الحسم العسكري، مشيرًا إلى أن تصريحات البرهان تعكس قناعة لدى قيادة المؤسسة العسكرية بأنها الطرف القادر على فرض شروطه ميدانيًا.
وأوضح الكيلاني، أن مفهوم وقف إطلاق النار، من وجهة نظر البرهان، يرتبط بمخاوف من أن يؤدي إلى تغييرات في خريطة السيطرة الميدانية تُضعف موقف الجيش في أيّ مفاوضات مستقبلية، وهو ما يفسر التحفظات المتكررة والتعنّت الذي يبديه الجيش تجاه المبادرات الإقليمية والدولية منذ اندلاع الحرب، تحت مبررات تتعلق بالسيادة والاعتبارات الأمنية.
وأضاف الباحث في الشأن السوداني أن الجيش، إلى جانب حلفائه من القوى الإسلاموية، يخشى أن تفضي أيّ هدنة أو تسوية سياسية إلى عودة القوى المدنية إلى المشهد، بما قد يقلص نفوذ هذا التحالف سياسيًا وعسكريًا. لذلك، يحرص على التمسك بخطاب "الأمن القومي" و"السيادة" بوصفهما المبرر الرئيس لرفض التسويات، فضلًا عن الضغوط التي يمارسها حلفاؤه الميدانيون والسياسيون، وفي مقدمتهم الشبكات الإسلاموية، التي أشار إليها المبعوث الأميركي مسعد بولس في إحاطته الأخيرة بواشنطن، والتي ترفض أي اتفاق لا يضمن مصالحها.
وأشار الكيلاني إلى أن الجيش وأنصاره ينظرون إلى التفاوض في ظل استمرار العمليات العسكرية باعتباره عاملًا قد يفرض متغيرات ميدانية تمس مناطق سيطرتهم، كما يرفضون أيّ اتفاق يتضمن إشرافًا دوليًا أو أمميًا مباشرًا، باعتباره سيكون "مساسًا بسيادة القرار العسكري وإملاءً خارجيًا، وهو ما تجسد في رفض البرهان عدد من مسودات الهدنة الإنسانية التي طُرحت عبر مبادرات إقليمية ودولية".
كلفة سياسية
كما اعتبر استمرار رفض مبادرات التسوية بأنه يضاعف من كلفتها السياسية مع اتساع العزلة الدولية، وفرض عقوبات على شركات مرتبطة بالجيش، إلى جانب انحسار وتآكل الدعم الشعبي في ظل تدهور الخدمات العامة وانهيار قيمة العملة المحلية. ومع ذلك، رجح أن المؤسسة العسكرية لا تزال تراهن على تحسن ظروفها الميدانية أو السياسية بما يمنحها موقعًا تفاوضيًا أفضل، رغم ما تكبده هذا الرهان من خسائر.
في المقابل، يرى الكيلاني أن قبول أي تسوية سياسية قد يضع البرهان والجيش في مواجهة مباشرة مع حلفائه من "الكتائب الإسلامية المسلحة وبعض الحركات الدارفورية الرافضة للتسوية، والتي تعتبر أي تنازل تهديدًا للمكاسب والامتيازات الفئوية الضيقة التي حققتها خلال الحرب، وهو ما قد يفضي إلى تفكك التحالف الداخلي الداعم للمؤسسة العسكرية".
وختم الكيلاني بالقول إن الجيش وضع نفسه في مواجهة غير متكافئة مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، بعد أن بات يُنظر إليه باعتباره الطرف الأكثر تعطيلًا لمبادرات السلام، مستندًا إلى مبررات سيادية وأمنية لا تماثل الواقع وإنما مصالح هذا التحالف، في حين تعتبر القوى الدولية أن هذا الموقف يطيل أمد الحرب، ويُفاقم الأزمة الإنسانية، ويفتح الباب أمام اتخاذ مزيد من الإجراءات العقابية بحقه.
إلى ذلك، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي السوداني محمد المختار محمد أن الموقف الأميركي الأخير يمثل للمرة الأولى منذ انخراط واشنطن في جهود الوساطة لوقف الحرب في السودان، تحولًا واضحًا في التعاطي مع البرهان، وقد "رفعت (واشنطن) الغطاء السياسي" عنه بعد أن حمّل كبير مستشاري الرئيس الأميركي مسعد بولس، البرهان مسؤولية تعطيل جهود السلام.
وأضاف المختار محمد لـ"المشهد" أن تسمية البرهان بشكل مباشر، وربطه برفض الدعوات الأميركية إلى هدنة إنسانية، تعكس قناعة لدى واشنطن بأن قائد الجيش أصبح "العقبة الرئيسة" أمام وقف الحرب والانطلاق في عملية سياسية، مشيرًا إلى أن البرهان واصل إغلاق الباب أمام مختلف المبادرات، بما في ذلك المبادرة التي سبقت جلسة مجلس الأمن الأخيرة.
وتابع أن "الولايات المتحدة استنفدت جميع محاولات إقناع قيادة الجيش بالانخراط في مسار التسوية، ولذلك اختارت توجيه رسالتها أمام مجلس الأمن، لجهة إطلاع المجتمع الدولي على أن البرهان هو الطرف الذي يعرقل جهود إنهاء الحرب والأزمة الإنسانية، وهو ما قد يمهد للانتقال إلى أدوات ضغط جديدة بعد تضييق هامش المناورة السياسية الذي كان يتمتع به قائد الجيش".
وأشار الكاتب والمحلل السياسي السوداني إلى أن تصريحات البرهان الأخيرة، التي أكد فيها تمسكه بخيار الحسم العسكري واستمرار العمليات حتى القضاء على قوات الدعم السريع، تعزز الانطباع بأن المؤسسة العسكرية لا تزال تراهن على الخيار العسكري، رغم أن موازين القوى على الأرض لا تصب في صالحها.
المراوغة السياسية
وفي تعقيبه على بيان الخارجية السودانية، اعتبر المختار أنه يعكس موقف "التيار الإسلامي داخل مؤسسات الدولة"، ووصفه بأنه محاولة جديدة لـ"المراوغة السياسية"، مضيفًا أن الولايات المتحدة تتعامل مباشرة مع البرهان باعتباره صاحب القرار داخل المؤسسة العسكرية، ولذلك وجهت إليه الانتقادات بشكل صريح، ولم تمنح بيان الخارجية اهتمامًا يُذكر.
ورجح المصدر ذاته أن تتجه واشنطن، خلال المرحلة المقبلة، إلى تشديد الضغوط على البرهان، سواء عبر فرض عقوبات إضافية أو من خلال إعادة تنشيط ملفات تتعلق باتهامات استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية، مشددًا على أن هذه التطورات قد تؤدي، في حال تصاعدت، إلى إضعاف موقع البرهان في أي ترتيبات سياسية مقبلة.
وختم حديثه قائلًا إن بيان الخارجية السودانية، يعكس إدراك القوى الإسلامية لخطورة التحول في الموقف الأميركي، حيث إن البرهان لم يعد قادرًا على توفير الغطاء السياسي الذي كان يوفره لهذا التيار. كما أن التطورات الميدانية، خصوصًا الضغوط التي تمارسها قوات الدعم السريع على مدينة الأبيض، ستلقي بظلالها على مسار الحرب، وقد تفضي إلى تغيرات مهمة في موازين القوى العسكرية والسياسية خلال المرحلة المقبلة.