يوماً بعد يوم تتصاعد أزمة ما بات يطلق عليهم التيك توكرز أو صنّاع المحتوى داخل مصر، لا سيما مع تواصل الحملات التي تقودها الأجهزة الأمنية داخل البلاد في القبض على عدد منهم، عقب بلاغات مقدمة من مواطنين وجهات مختصة حول المحتوى الذي يقدمه هؤلاء الذين يتخذون من مواقع التواصل الاجتماعي منبراً لهم للتربح.
تهم عديدة يواجهها بعض صنّاع المحتوى على تطبيق التواصل الاجتماعي "تيك توك" ممن ألقي القبض عليهم في مصر، كان أبرزها قيامهم بإعداد مقاطع مرئية وبثها عبر بعض الحسابات، تضمن محتوى يشكل جرائم منافية للآداب العامة وانتهاكاً للقيم الأسرية والمجتمعية في مصر، وذلك بهدف جذب أكبر عدد من المشاهدات وتحقيق أرباح ومكاسب مادية غير مشروعة.
وكانت الأجهزة الأمنية بوزارة الداخلية قطاع مكافحة الجرائم الإلكترونية والتصدي للمحتوى المخالف للقيم والمبادئ المجتمعية، قد نجحت خلال الأيام القليلة الماضية في إلقاء القبض على عدد من مشاهير التيك توكرز داخل مصر، والمتهمين بترويج مقاطع فيديو تُمثل الاعتداء على قيم ومبادئ المجتمع، حيث كان من أبرزهم هدير عبد الرازق، سوزي الأردنية، وشاكر محظور، ومداهم، بالإضافة إلى أم مكة وعدد أخر.
خطوة مهمة
الحملات الأمنية التي تقودها وزارة الداخلية المصرية ضد بعض صنّاع المحتوى، لاقت استحساناً كبيراً داخل الأوساط المصرية المختلفة، وعبر رواد مواقع التواصل الاجتماعي عبر حساباتهم الشخصية عن ارتياحهم الشديد لهذه الحملات.
من جانبه، وصف مدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية وحقوق الإنسان الدكتور أحمد مهران، والذي قام بتحريك دعاوى قضائية ضد بعض صنّاع المحتوى، الحملات الأمنية المتصاعدة ضد بعض التيك توكرز بالخطوة الهامة والجيدة، والتي تصب في مصلحة المواطن المصري في الحفاظ على قيم ومبادئ المجتمع الأسرية.
وأشار مهران في حديثه لـ"المشهد" إلى أن تلك الحملات تدخل في إطار الدور المجتمعي للجهات الأمنية ودورها الوطني في الحفاظ على كرامة المواطنين المصريين التي ربما نالها بعض الإهدار أمام المجتمعات الأخرى، في ظل انتشار محتوى لا يليق بمصر وشعبها عبر أشخاص هدفهم الأول والأخير هو التربح فقط، دون النظر إلى القيم المجتمعية والأخلاقية المتجذرة لدى عموم المصريين.
وأكد أن الفترة المقبلة ستشهد تحولاً نوعياً إيجابياً في المحتوى الذي يقدمه صنّاع المحتوى على منصة "تيك توك"، نتيجة للجهود المكثفة التي بذلتها الأجهزة الأمنية في هذا الصدد، بالإضافة إلى الإجراءات القانونية المشددة التي تتخذها النيابة العامة المصرية، في التعامل مع هذه النوعية من الجرائم الإلكترونية التي تمس المجتمع المصري وتهدد كيان الأسرة المصرية.
وأضافأن هذه الإجراءات ستكون بمثابة رادع الذي يخيف كل من تسول له نفسه في الاستمرار في نهج هذه السلوكيات المعيبة ومقاطع الفيديو المشينة التي تضرر بأمن وسلامة المجتمع المصري.
حظر "تيك توك"
وتوقع أن هذه الأزمة من الممكن بالفعل أن تؤدي إلى حظر التطبيق في مصر، لا سيما في ظل تقديم عدد كبير من البلاغات ضد الكثيرين من العناصر التي تشكل خطراً جسيماً على المجتمع المصري، والذين كانوا يقدمون محتوى مسيئا ومنافيا للآداب العامة.
مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق اللواء رضا يعقوب، لفت إلى أن جرائم صّناع المحتوى على تطبيق "تيك توك" لم تعد فردية، لكنها تحولت إلى جرائم ممنهجة ومنظمة، هدفها تدمير قيم المجتمع المصري، مشيراً إلى أن إلقاء القبض مؤخرًا على بعض التيك توكرز يؤكد وبِلا أدنى شك على مدى اليقظة الأمنية في رصد كافة التجاوزات التي أصبحت منتشرة على التطبيقات الإلكترونية وفي مقدمتهم "تيك توك".
وبحسب يعقوب، فإن هناك العديد من الأسباب التي ساهمت في انتشار مقاطع الفيديو المصورة المخلة بالآداب العامة، لكن أبرزها يعود إلى انعدام الرقابة على الشباب، والتفكك الأسري، إضافة إلى غياب القيم والمبادئ التي يقتدي بها الشباب، مشيراً إلى أن هذه التجاوزات التي أصبحت منتشرة على منصة "تيك توك" تعد جزءاً من حروب الجيل الخامس التي تهدف بشكل واضح إلى العمل على تفتيت المجتمع ودفعه للانهيار.
وفور إلقاء القبض على عدد من صنّاع المحتوى على تطبيق "تيك توك"، كشفت التحقيقات معهم عن جرائم عديدة ارتكبها هؤلاء، وكان من أبرزها الاتجار في المخدرات، وحيازة أسلحة نارية غير مرخصة، بالإضافة إلى جرائم تتعلق بغسل الأموال.
ويرى مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، أن تلك الجرائم التي ارتكبها بعض التيك توكرز تخطت حدود ما بات يطلق عليه العالم الافتراضي، وتحولت إلى جرائم واقعية ملموسة، مؤكداً أن القضية الآن لم تعد مجرد فيديو، بل باتت جريمة متكاملة الأركان.
الحظر "ليس حلا"
ومن جهته يرى خبير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المهندس أحمد العطيفي، أن تطبيق "تيك توك" كغيره من التطبيقات التي يمكن استخدامها لأغراض جيدة أو سيئة، مبيناً أنه لا توجد أي وسيلة لمنع صنّاع المحتوى مما يقدمونه، لأنهم بكل سهولة يمكنهم الانتقال إلى أماكن أخرى وتقديم ما يحلو لهم.
وأكد العطيفي في حديثه مع "المشهد" أن أزمة "تيك توك" في مصر أو في أي مكان آخر في العالم، لا تقتصر فقط على صنّاع المحتوى، بل يشاركهم في هذا الأمر الجمهور الذي يتفاعل معهم بشكل واسع، كاشفاً عن أن مستخدمي منصة "تيك توك" داخل مصر وصل إلى نحو 45 مليون مستخدم، لتأتي مصر بهذا الرقم في المرتبة الـ11 عالمياً في عدد مستخدمي المنصة.
وكانت لجنة الاتصالات بمجلس النواب المصري قد أمهلت منصة "تيك توك" مدة 3 أشهر، من أجل تحسين المحتوى المنشور بها بما يتماشى مع القيم والأعراف المصرية، وإلا فسيكون مصيرها الحظر في مصر.
لكن العطيفي أوضح أن فكرة الحظر لن تكون مجدية على الإطلاق، ولن تساعد على حل المشاكل التي تنتج عن تطبيق "تيك توك"، بل إن الحظر سيشجع الكثيرين على اللجوء إلى وسائل أخرى والعمل في الخفاء، مشيراً إلى وجود العديد من التطبيقات الأخرى التي قد يلجأ إليها صنّاع المحتوى لنشر أعمالهم عليها، وبالتالي الحظر لن يكون فعّالاً ولن يثمر عن شيء.
وأوضح مهران، أنه قام بحصر أخطر العناصر على منصة "تيك توك"، الذين تسببوا في إثارة البلبلة والجدل داخل مصر وقام بتقديم عدد من البلاغات ضدهم، كاشفاً أنه قام برفع دعوى قضائية ضد هؤلاء العناصر، وتم تحديد جلسة الـ8 من الشهر المقبل لتكون بذلك الدعوة الأولى من نوعها التي تطالب بأحد أمرين:
- الأول: حظر تطبيق "تيك توك" في مصر.
- والثاني: وضع ضوابط قانونية ومعايير وسياسات أخلاقية تتفق مع قيم وعادات المجتمع المصري، وتضمن الحفاظ على الأسرة المصرية وكيانها، والحفاظ على سمعة الدولة المصرية.



