في أغسطس عام 2021، قطعت الجزائر العلاقات مع المغرب، لم يكن القرار مفاجئا لأن الجارتين اعتادتا أن تتراوح علاقاتهما بين التهدئة والتصعيد.
صحيح أن السنوات الأخيرة شهدت توترات على كافة الأصعدة سياسية وثقافية واقتصادية، بداية من أزمة البوليساريو المستمرة ووقف تصدير الغاز الجزائري عبر المغرب إلى إسبانيا، وصولا إلى الصراعات في عالم كرة القدم ومرورا بالنزاعات عن أصل الفسيفساء والكسكس وفن الراي.
لكن كلما اشتدت الأزمة، عجّت وسائل الإعلام بتاريخ الخلافات مع إغفال محطات مشرقة بين دولتين شقيقتين، من شأنها أن تمنع إذكاء فتنة بين شعبين يجمعهما التاريخ والجغرافيا والتقاليد.
شعب واحد
يقول رئيس قسم شعبة التاريخ في جامعة سعيدة بالجزائر الدكتور عبد الرحمان قدوري إن فترات التكاتف بين الشعبين تقدم "صورة ناصعة البياض" عن الوحدة المغاربية الثابتة.
ويضيف المؤرخ الجزائري في حديثه لمنصة "المشهد": "التضامن بين المغرب والجزائر مستمر لأنه تضامن عفوي وطبيعي وفطري لشعب واحد يتقاسم الدين، والتاريخ، والثقافة، والجغرافيا".
لا يختلف معه في الرأي أستاذ العلاقات الدولية في جامعة محمد الأول المغربية الدكتور خالد الشيات، الذي أكد أن الملك محمد السادس حين يتحدث في خطابه عن سكان الجزائر والمغرب، يصفهما بالشعب الواحد.
ويوضح الأكاديمي المغربي في تصريح لمنصة "المشهد" أن "مصطلح الشعب الواحد ليس من باب الدعاية وإنما له امتداد تاريخي يعود إلى شيخ المقاومين المغربي عبد الكريم الخطابي الذي كان يخاطب سكان شمال إفريقيا قائلا يا شعب شمال إفريقيا وليس يا شعوب شمال إفريقيا".
نضال ضد الاستعمار
بحسب الأكاديمي الجزائري فإنه إذا اقتصرنا فقط على تاريخ العلاقات الجزائرية المغربية من أيام الرومان إلى غاية الاستعمار الأوروبي في القرن 19، سنجد محطات كثيرة من التضامن بين البلدين.
فيما يلي أبرز المحطات التي خفتت فيها حدة الصراعات بين الجزائر والمغرب، والتي تظهر بشكل كبير عن عمق العلاقات بين الجارتين:
- البداية بمعركة وادي المخازن في عام 1578 بين المغرب والبرتغال بقيادة الملك سيباستيان، كان المغرب مدعوما من طرف الجزائر والقوى العثمانية ضد هجوم البرتغال، فحقق نجاحا مبهرا.
- في عام 1830، بدأت المفاوضات الشعبية في الجزائر مع الاستعمار الفرنسي الذي استولى على البلاد، رفض الجزائريون أن يكونوا عونا لفرنسا، وهاجروا إلى دول مجاورة فلقوا كل الترحاب من قبل أشقائهم المغاربة، حينها كانت الهجرة شكلا من أشكال المقاومة.
- القائد الجزائري الأمير عبد القادر في بداية مقاومته لاقى دعما من المغاربة، خصوصا من القبائل الشرقية للمغرب مثل قبيلة بني يزناسن، استمر الدعم المالي والشعبي والرسمي للمقاومة 17 عاما كاملة.
- منذ بداية الحماية الفرنسية في المغرب عام 1920، أصبح هناك واقع مشترك بين الدولتين زاد من مستوى التضامن المتبادل بينهما.
مرحلة الشدائد
وتُشير مصادر تاريخية إلى أن المغاربيين هاجروا إلى فرنسا وإسبانيا في تلك المرحلة وشُكلت نقابات عمالية وجمعيات سياسية يتقاسمون همّ طرد المستعمر، ثم:
- عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى في عام 1918، تأسس الحزب الشيوعي في فرنسا للدفاع عن مصالح مواطني شمال إفريقيا وتوحيد العمل المشترك.
- عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية، زاد مستوى التضامن بين الجزائريين والمغاربة، فأسسوا مكتب المغرب العربي في برلين، وأصر الفارون من بطش المستعمرين على النضال من أجل الاستقلال.
- في عام 1944 تأسست جبهة للدفاع عن شمال إفريقيا في مصر.
- في عام 1948 تأسست لجنة تحرير المغرب العربي برئاسة عبد الكريم الخطابي ترأس أمانتها العامة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة، وكان هدفها تعاون المغاربة في مرحلة الشدائد.
- استقلال تونس والمغرب في عام 1956 شكل دفعة قوية للمقاومين ودعم المغاربيون الثورة الجزائرية.
الثورة الجزائرية
في 10 نوفمبر عام 1954، وجه القائد العسكري المغربي محمد عبد الكريم الخطابي كلمة للجزائريين، قائلا: "أيها الجزائريون نحن جميعا ما كنا نود يوما من الأيام أن تصل الحالة في شمال إفريقيا إلى هذه المرحلة الدرامية، ولكن رغبة جماعة المفسدين من الفرنسيين في الفتنة، هي التي جعلتكم وجعلتنا جميعا ننفجر، فنهضتم تدافعون هذا الدفاع المبارك المجيد".
وتابع المدافع الشرس عن الوحدة المغاربية، في حديث لإذاعة "صوت العرب" المصرية أن الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي هي ثورة كل المغاربة لأنها انتهجت الخيار الأسلم لتقف في وجه المفاوضات التي مزقت وحدة الكفاح المغاربي، على حد تعبيره.
دعم الخطابي للثورة كشف عن إيمان المغاربة بالعمل الثوري المشترك، وجسد طموحات مناضلي شمال إفريقيا الهادفة إلى تحرير المغرب وتوحيده.
حرب الرمال
في عام 1956، اتُهمت المخابرات الفرنسية باختطاف طائرة مغربية كانت تقل مقاومين جزائريين من المغرب إلى تونس، هذه الحادثة اعتبرها الجزائريون أنها كانت بتواطؤ من المغرب، الأمر الذي ينفيه مؤرخون، حيث اعتبروا أن اختطاف الطائرة كان انتقاما فرنسيا من الدعم المغربي.
وبعد استقلال الجزائر عام 1962، اندلعت حرب الرمال بين الجارتين بسبب خلاف حول الحدود، ورغم اتفاق وقف إطلاق النار بينهما إلا أن الخلافات لم تنته، خصوصا مع نزاع قضية الصحراء.
وفي هذا الإطار، قال الشيات إن "كان التاريخ الدبلوماسي بين البلدين اليوم لا يشير إلى حل نهائي للأزمة، إلا أن المواجهة العسكرية تبقى مستبعدة، ولا شيء يدفع المغرب والجزائر إلى الدخول في حرب مباشرة".