في بلد يعاني أزمة اقتصادية خانقة، لم يكن من السهل على التونسيين الحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم في عيد الأضحى هذا العام.
وفي تونس التي يعتزّ فيها السكّان بعادات وتقاليد توارثوها جيلا بعد آخر، امتزج فيها الأمازيغي بالأندلسي بالعربي، أُجبر كثيرون على الاكتفاء بالحدّ الأدنى من الطقوس "إحياءً للعادة" كما قالت السيّدة زينة البوزيدي لمنصّة "المشهد"، التي اكتفت بشراء كميّة صغيرة من اللحوم الحمراء، قالت إنها قررت شوي أغلبها من أجل إسعاد أطفالها، وحتّى "تفوح رائحة المشوي ومعه رائحة العيد" في بيتها.
وفي الأحياء الشعبية لتونس التي تعرف عادة حركيّة كبيرة خلال هذا اليوم، إذ يخرج الأطفال صباح العيد في جولة مع خرفانهم مزيّنة بالأشرطة الملوّنة، في حين تقوم النسوة بتبخير البيوت على إيقاعات الأغنية التونسية الشهيرة "الكبش يدور"، والتي صارت ترمز في الذاكرة الجماعية للتونسيين لفرحة العيد، كانت الأجواء هادئة، و"لم يدر الكبش" في منازل عديدة، ما كشف عن فرحة منقوصة عاشها الكثير منهم في هذا اليوم.
وقالت هدى وهي موظفة حكومية تسكن حيًّا شعبيًّا في العاصمة تونس، بنبرة فيها الكثير من الأسف ''لم أسمع ثغاء الخراف هذا العام يتعالى من بيوت الجيران"، مضيفة أنّها اكتفت بشراء نصف خروف، لأنّ سعر خروف واحد تجاوز قيمة مرتبها كما أكدت.
أطباق غائبة
ومن عادات التونسيين يوم عيد الأضحى شوي كمية كبيرة من اللحم، مباشرةً بعد عمليّة النحر، قبل أن تنغمس النساء في تنظيف "الدوّارة" (أحشاء الخروف) من أجل تحضير "العصبان" (أحشاء الخروف تُمزج مع اللحم والكبد والخضار) وإعداد طبق الكسكسي، وهو أحد أشهر أكلات التونسيين خصوصا في المناسبات والأعياد.
وبسبب غلاء الأسعار وجد كثير من التونسيين أنفسهم بلا "عصبان" هذا العام، إذ تجاوز سعر "الدوّارة" 120 دينارا، كما أكّدت روضة وهي ربّة بيت، أخبرت منصّة "المشهد" أنهّا قررت عدم تحضير هذه الأكلة، "لأن تكلفتها باهظة جدا".
وليس "العصبان" وحده من كان غائبا عن موائد التونسيين خلال هذا العام، إذ إنّ أسرًا كثيرة حُرمت من تحضير "القدّيد" (لحم مملّح ومجفّف تحت أشعة الشمس) و"القلاية" (مرق لحم مع التوابل) و"الكمونية" (مرق لحم وكبد) و"المرقاز" (أمعاء الخروف يقع حشوها بلحم مفروم).
وليست الأطباق التي تُحضّر باستعمال لحوم الأضحية وحدها من حرم منها التونسيون هذا العام، إذ غاب الخبز التقليديّ عن أغلب البيوت، بسبب فقدان مادتي السميد والطحين من الأسواق.
ومن عادات ربّات البيوت في تونس، تحضير خبز العيد فجرا، ويكون له مذاق لذيذ خاص، إذ يحرصن على خلط السميد مع زيت الزيتون قبل إرساله إلى فرن الحيّ.
"الحرمان من اللمّة"
وفي بعض مدن تونس تخلّى السكان وخصوصا في جزيرة جربة جنوب تونس، على عادة شراء بقرة لذبحها في عيد الأضحى، وتقول سارّة القابسي التي تعوّدت كل عام الانتقال من العاصمة إلى الجزيرة التونسية، للاحتفال بالعيد مع أسرتها، إنّ غلاء الأسعار دفعها للاكتفاء بشراء خروف صغير، وتمضية العيد في العاصمة بينما كانت سابقا تتشارك مع بقيّة إخوتها لشراء بقرة ونحرها.
وعيد الأضحى بالنسبة لشقّ واسع من التونسيين، هو المناسبة التي يجتمع فيها جميع أفراد العائلة الموسّعة، ويكون ذلك عادةً في بيت الجدّ أو الأب، ويطلقون على هذه العادة تسمية "اللمّة".
وعادة ما تخلو المدن الكبرى من المارّة أيّام عيد الأضحى وخصوصا العاصمة تونس، إذ ينتقل أغلب المنحدرين من جهات داخلية إلى مسقط رأسهم، للاحتفال بهذه المناسبة مع أسرهم.
وعلى خلاف سنوات سابقة، حُرم الكثير منهم من "لمّة العيد" بسبب غلاء أسعار الأضحية، وارتفاع تكلفة التنقل من مدينة لأخرى، وفضّل البعض منهم البقاء في العاصمة على العودة إلى مدينته، وفي السياق قال طارق همامي لمنصّة "المشهد" متحسرا: "للأسف لم أستطع التنقل مع أسرتي هذا العام للاحتفال بالعيد مع والدتي، التي تسكن بمدينة توزر جنوبا، لسببين، الأول أنني لم أشترِ خروفا، والثاني أنّ أسعار تأجير سيّارة مكلفة جدا".
ارتفاع قياسي للأسعار
ويُجمع الكلّ في تونس هذا العام، على الارتفاع القياسي لأسعار الأضاحي، الذي قدّره المراقبون بنحو 40 بالمئة، إذ بلغ سعر الخروف في حالات كثيرة، نحو 700 دولار، في بلد لا يتجاوز فيه متوسط الأجور 300 دولار، ويعدّ ربع سكانه من الفقراء.
وقدّر عضو منظمة المزارعين منور الصغيري في تصريح لمنصّة "المشهد"، متوسط سعر الأضحية 900 دينار (1 دولار يساوي 3 دينار)، اعتمادا على السعر المرجعي للكيلوغرام الواحد، المتفق عليه بين المتدخلين كافة في القطاع.
ويقول الصغيري إنّ التهاب أسعار الأضاحي سببه ارتفاع تكلفة الأعلاف، وتراجع كميات الأمطار، وتواصل موجة الجفاف للموسم الرابع على التوالي.
وفي سوق لبيع الخراف زارته منصّة "المشهد" قبل ساعات من موعد العيد، كانت الحركة بطيئة، وبدت علامات الحيرة على وجوه الكثير من الزبائن، الذين أكدوا أنهم فوجئوا بالارتفاع القياسي لها، في حين قال عدد من المربّين، أنّ حركة البيع كانت بطيئة.
وحاولت السلطات في تونس التقليص من وقع الغلاء على التونسيين، عبر التدخل لتسعير ثمن كيلوغرام اللحم، وفتح نقاط بيع من "المنتج للمستهلك"، تعتمد الأسعار التي حددتها بالاتفاق مع المهنيين، لكنّ تأثير هذه النقاط كان محدودا ومقتصرا على المدن الكبرى.