أصدرت محكمة الجنايات في دمشق أحكامًا بالإعدام بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، وعدد من المسؤولين العسكريين والأمنيين السابقين، بينهم عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في محافظة درعا وابن خال بشار الأسد.
الأحكام الصادرة بحق بشار وماهر الأسد غيابية، فيما صدر الحكم بحق عاطف نجيب وجاهيًا، لكونه موقوفًا لدى السلطات السورية.
وتأتي هذه القرارات القضائية، وهي الأولى من نوعها منذ سقوط نظام الأسد في 8 ديسمبر 2024، بعد إدانات بجرائم تشمل القتل والتعذيب والخطف وانتهاكات أخرى، فيما تقرّرت ملاحقة بشار وماهر الأسد دوليًا.
لكن أبعد من دلالات هذه الأحكام، يبرز اختبار التنفيذ: هل يُنفّذ حكم الإعدام فعليًا بحق عاطف نجيب، أم يبقى حبرًا على ورق على غرار ملفات قضائية كثيرة بقيت معلّقة لسنوات في دول المنطقة، ومنها لبنان؟
بداية لمسار المحاسبة
تضع الأحكام ملف محاسبة مسؤولي النظام السابق أمام مرحلة جديدة. فبعد سنوات من المطالبات بكشف مصير الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، انتقل جزء من هذا الملف إلى القضاء السوري.
النائبة في مجلس الشعب السوري مي خلوف، ترى في حديث خاص لـ"المشهد"، أن الأحكام تشكّل "بداية لمسار العدالة الانتقالية الذي ينتظره السوريون منذ التحرير"، معتبرة أنها تعطي إشارة إلى أن "عجلة العدالة بدأت تتحرّك".
وتقول خلوف إن لهذه الخطوة بعدًا يتجاوز الأحكام نفسها، لأنها تعيد، برأيها، جزءًا من حقوق الضحايا وكرامتهم بعد 14 عامًا من الدم والانتهاكات.
لكن المحاسبة، بالنسبة إليها، تحمل أيضًا وظيفة أخرى في مرحلة ما بعد الأسد: منع تحوّل المطالبة بالعدالة إلى ثأر.
وتوضح حلوف لـ"المشهد" أن السوريين يريدون بدء المحاسبة "ليس فقط لاستعادة حقوق الضحايا، بل أيضًا لمنع تكرار ما حصل وتجنّب لجوء الناس إلى أخذ حقوقهم بأيديهم"، مشددة على أن الدولة التي تعيد بناء نفسها يجب أن يخضع الجميع فيها للقانون.
عاطف نجيب.. لماذا يختلف وضعه؟
الفارق الأساسي بين عاطف نجيب وبشار وماهر الأسد ليس في العقوبة الصادرة بحقهم فحسب، بل في إمكانية تنفيذها.
ففي حين أن بشار وماهر الأسد موجودان خارج سوريا، ما يجعل أي خطوة لتنفيذ الأحكام بحقهما مرتبطة بآليات الملاحقة والتعاون الدولي، فإن عاطف نجيب موجود أصلًا في قبضة السلطات السورية.
وهذا ما يجعل قضيته الاختبار الأكثر مباشرة.
خلوف تقول لـ"المشهد" إن الحكم الصادر بحق نجيب قابل للتطبيق من الناحية القانونية، مضيفة: "عاطف نجيب موجود في قبضة السلطات، ومبدئيًا لا شيء يمنع تنفيذ الحكم بحقه".
وبحسب خلوف، استندت الأحكام إلى ثبوت جرائم من بينها القتل العمد والخطف والتعذيب والتنكيل وتصفية أطفال دون سن الخامسة عشرة، وإلى أحكام في قانون العقوبات السوري تجرّم هذه الأفعال.
كما تشير إلى استناد المحكمة إلى المادتين 12 و49 من الإعلان الدستوري المؤقت، في ما يتعلق بملاحقة مرتكبي الجرائم من رموز النظام السابق وأعوانه وعدم سقوط جرائمهم بالتقادم، فضلًا عن التزامات دولية، من بينها اتفاقيات جنيف الأربع والعهد الدولي الخاص، ومواد مرتبطة بنظام روما.
هل يُنفّذ حكم الإعدام؟
وجود عاطف نجيب في قبضة السلطات يزيل واحدة من أكبر العقبات التي تواجه عادة تنفيذ الأحكام بحق مسؤولين سابقين فارّين، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن تنفيذ الإعدام سيكون تلقائيًا أو سريعًا.
فالملف لا يتوقف عند صدور الحكم، بل يرتبط باستكمال المسار القضائي والإجراءات القانونية المطلوبة قبل بلوغه مرحلته النهائية. كما يفتح الحكم نقاشًا أوسع حول شكل العدالة الانتقالية التي ستعتمدها سوريا الجديدة، ولا سيما في ظل الاعتراضات الدولية والحقوقية على عقوبة الإعدام.
وهنا تواجه السلطات السورية معادلة دقيقة: من جهة، مطالب الضحايا وعائلاتهم بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات الجسيمة؛ ومن جهة أخرى، ضرورة إثبات أن محاكمات مسؤولي النظام السابق تستند إلى إجراءات قضائية وضمانات قانونية، ولا تتحول إلى أداة للانتقام السياسي.
وبالتالي، قد لا يكون التحدي في قضية عاطف نجيب هو القدرة على الوصول إلى المحكوم عليه، بل ما إذا كانت السلطات ستذهب فعلًا إلى تنفيذ العقوبة بعد استكمال المسار القضائي، وما الذي سيعنيه ذلك بالنسبة إلى نموذج العدالة الانتقالية الذي تريد سوريا ترسيخه.
ماذا عن بشار وماهر الأسد؟
المعادلة مختلفة بالنسبة إلى بشار وماهر الأسد. فحتى مع صدور أحكام غيابية بحقهما، تبقى القدرة على تنفيذها مرتبطة بمكان وجودهما وبالتعاون الذي يمكن أن تحصل عليه دمشق من الدول الأخرى.
وتقرّ خلوف بأن هذا المسار سيكون أكثر تعقيدًا، قائلة لـ"المشهد" إن إحضارهما إلى سوريا "يحتاج إلى وقت وجهود كبيرة"، وإن ملاحقة الفارين تتطلب إيجاد "أدوات وآليات قانونية بالتعاون مع الدول الأخرى".
وبالتالي، فإن إصدار الحكم شيء، والقدرة على وضع المحكوم عليه أمام القضاء السوري أو تنفيذ العقوبة بحقه شيء آخر.
وتقول خلوف إن السوريين يأملون في أن تؤدي هذه الجهود في نهاية المطاف إلى استكمال مسار المحاسبة، "حتى تأخذ العدالة مجراها على أكمل وجه، ويستعيد الضحايا ومن تعرّضوا للظلم حقوقهم".



