لم يحتج مونديال 2026، الذي تحتضنه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وقتا طويلا كي يدخل دائرة الجدل. فقبل أن تستقر صافرة البداية على أرض الملاعب، كانت البطولة قد شغلت الرأي العام العالمي بسلسلة من النقاشات التي لم تكن رياضية بالمعنى التقليدي، بل ارتبطت بالإجراءات، والتأشيرات، وحدود الدخول، وما إذا كان أكبر حدث كروي في العالم سيبقى محصورا داخل المستطيل الأخضر أم إنه سيتحول إلى اختبار تنظيمي وسياسي واسع النطاق.
وخلال الأسابيع التي سبقت الانطلاق، برزت قضايا متفرقة أثارت الكثير من التساؤلات.
بعض اللاعبين وأعضاء الوفود واجهوا صعوبات في الحصول على تأشيرات الدخول إلى الأراضي الأميركية، فيما أُثيرت حالات مرتبطة بحرمان أو تأخير دخول شخصيات من ضمن الطواقم الفنية والتحكيمية، وهو ما فتح باب النقاش حول مدى انسجام الإجراءات الأمنية الصارمة مع طبيعة حدث يُفترض أن يقوم على الانفتاح والاتحاد العالمي.
ترامب والجدل التنظيمي
في هذا السياق، لم يكن الجدل رياضيا فقط، بل امتد إلى مستوى سياسي أعلى، مع عودة النقاش حول موقف الإدارة الأميركية، وخصوصا الرئيس دونالد ترامب، من استضافة بطولة بهذا الحجم العالمي.
ففي الوقت الذي يُفترض فيه أن تمثل كأس العالم لحظة احتفاء دولي مفتوح، أشارت بعض التقديرات الإعلامية إلى فتور واضح في الحماس السياسي الرسمي تجاه الحدث، مقابل تركيز أكبر على الملفات الأمنية والحدودية وإجراءات الدخول، وهو ما انعكس بشكل غير مباشر على صورة الانفتاح المرتبطة عادة بالمونديال.
أعاد هذا المناخ السياسي المتوتر، طرح سؤال المشاركة من زاوية أوسع: هل باتت كرة القدم رهينة حسابات تنظيمية وأمنية تتجاوز روح اللعبة نفسها؟ فقد تحولت بعض الحالات الفردية، مثل قصة الحكم الصومالي عمر عرتن الذي جرى الحديث عن منعه من دخول الولايات المتحدة، إلى رمز لهذا النقاش، ليس فقط بسبب الواقعة ذاتها، بل لما تعكسه من إشكالات أعمق حول تمثيل القارة الإفريقية والعالم النامي في هذا الحدث العالمي.
وبحسب الإعلامي المختص في الشأن الرياضي نزار لكحل، فإنّ هذه الأجواء السياسية انعكست بشكل غير مباشر على صورة الانفتاح التي عادة ما ترافق كأس العالم في نسخها السابقة، ما أعاد طرح سؤال المشاركة ليس فقط من زاوية رياضية، بل من زاوية رمزية تتعلق بقدرة الحدث على احتواء كل الأطراف من دون قيود أو عراقيل.
ويشير لكحل في حديثه لمنصة "المشهد"، إلى أنّ بعض الحالات الفردية، وما تعرضت له من منع دخول أو تشديد لإجراءات التفتيش في المطارات الأميركية، تحولت إلى عنوان أوسع لنقاش حول تمثيل القارة الإفريقية والعالم النامي في هذا الحدث، إلى جانب شكاوى متفرقة من بعض المنتخبات حول التعقيدات الإدارية واللوجستية التي رافقت وصول وفودها.
التحول الأول في المشهد
لكن مع انطلاق المنافسات الفعلية، بدأت ملامح المشهد تتغير تدريجيا. فبحسب نزار لكحل الذي يواكب مجريات البطولة العالمية من مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، فإنّ ما كان يطغى عليه طابع الجدل في البداية، بدأ يتراجع أمام موجة جماهيرية لافتة. الشوارع والساحات المخصصة للمشجعين امتلأت تدريجيا بألوان المنتخبات المشاركة، وبدأت المدن المستضيفة تستعيد تلك الصورة المعهودة للمونديال التي يطبعها مزيج من اللغات والهتافات والأعلام.
ويضيف لكحل، أنّ الجماهير المكسيكية كانت من أبرز الحاضرين، إلى جانب حضور عربي لافت، تمثل في جماهير قطر التي وصلت عبر رحلات خاصة، وقوافل جماهيرية أردنية نُظمت نحو المدن المستضيفة للفريق الأردني والفرق العربية، في مشهد يعكس اتساع رقعة التفاعل مع البطولة داخل الجاليات المقيمة في الولايات المتحدة.
وأعاد هذا الحراك الجماهيري شيئا من التوازن إلى صورة البطولة، بعد فترة من التركيز الإعلامي على القضايا التنظيمية والإجرائية. فالمونديال، في نهاية المطاف، لا يُقاس فقط بمدى صرامة أنظمته أو دقة إجراءاته، بل بقدرته على إنتاج حالة جماهيرية عالمية تتجاوز الحدود السياسية والاختلافات التنظيمية. ومع ذلك، لا تزال بعض التحديات حاضرة في الخلفية، من بينها مواعيد المباريات في أوقات مبكّرة وارتفاع درجات الحرارة في بعض المدن المستضيفة، ما يضيف عبئا بدنيا على اللاعبين، ويطرح تساؤلات حول تأثير المناخ على سير المنافسة، وفق المتحدث.
وعلى الرغم من كل هذه التعقيدات، يبدو أنّ البطولة بدأت تستقر على إيقاعها الخاص. فبعد أيام أولى اتسمت بالجدل، بدأت كرة القدم تستعيد مكانها الطبيعي في الواجهة، بينما تتراجع الملفات الجانبية تدريجيا إلى الخلف. وبين إجراءات مشددة، وجماهير تملأ الشوارع، ومنتخبات تبحث عن التوازن داخل الملعب، يحاول مونديال 2026 أن يثبت أنه ليس مجرد حدث رياضي، بل تجربة عالمية معقدة تجمع بين السياسة والتنظيم والشغف في لحظة واحدة.