تؤشر المزاعم الأخيرة التي تطال دولة الإمارات في اليمن، ومنها الادعاء بوجود أسلحة ومتفجرات في مطار الريان بمدينة المكلا، وكذلك إدارة "سجون سرية"، عن سياق مقصود ومتعمد تتواصل فيه عمليات الشحن والتعبئة، وفق مراقبين تحدثوا لمنصة "المشهد"، موضحين أن هذه "الاتهامات التلفيقية" تكشف عن دور خفي وغير معلن، في ظل التجاذبات الإقليمية، حيث تتحول إلى مجرد "أدوات ضغط" و"رسائل سياسية" مؤقتة.
وبدا لافتا تردد جملة من الاتهامات الطارئة في ظل وضع سياسي مأزوم ومن دون سوابق لها أو أدلة، مؤخرا، بما يبعث على الاستقطاب وتوليد اصطفافات ضيقة، إلا أن غياب الأدلة وتغييب الحقائق يجعل من الضروري التعاطي بمسؤولية مع هذا الشحن الإعلامي، بحسب المصادر ذاتها.
وقد أكدوا أن التعبئة السياسية والإعلامية المتواصلة تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى، وتوجيه الرأي العام، فضلا عن تعزيز مواقع تفاوضية لبعض الأطراف في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
وكانت وزارة الدفاع الإماراتية، قد نفت ما ورد في المؤتمر الصحفي الذي عقده محافظ حضرموت سالم الحنبشي، بخصوص اكتشاف كميات من الأسلحة والمتفجرات يُزعم ارتباطها بدولة الإمارات في مطار الريان بمدينة المكلا اليمنية.
اليمنيون لديهم ذاكرة تدحض الافتراءات على الإمارات
وقالت وزارة الدفاع إنها تنفي "نفيا قاطعا" هذه المزاعم التي وصفتها بـ"الباطلة" و"المضللة" مشيرة إلى أنها "لا تستند إلى أي دليل أو حقيقة، بشأن اكتشاف كميات من الأسلحة والمتفجرات يُزعم ارتباطها بدولة الإمارات في مطار الريان بمدينة المكلا اليمنية".
كما أشارت إلى أن القوات الإماراتية "أنهت انسحابها الكامل من اليمن بشكل رسمي وعلني بتاريخ 2 يناير 2026، وقد شمل ذلك نقل جميع المعدات والأسلحة والأجهزة.. وبما يقطع الطريق أمام أي تأويل أو ادعاء بوجود أي حضور عسكري أو لوجستي أو تقني تابع لدولة الإمارات على الأراضي اليمنية".
وفي ما يخص المزاعم الأخرى بشأن وجود أو إدارة "سجون سرية" داخل مطار الريان، شددت الوزارة على أن "هذه الادعاءات لا تعدو كونها افتراءً وتضليلًا متعمدًا يهدف إلى صناعة روايات مفبركة تفتقر إلى الدقة والمهنية".
في حديثه لمنصة "المشهد" يقول الكاتب والمحلل السياسي اليمني صالح أبوعوذل، إن بعض السرديات الإعلامية اليمنية والإقليمية تسعى إلى تعميم "مزاعم كيدية"، وكأن القائمين على هذا الإعلام وهذه السياسة يعتقدون أن الناس بلا ذاكرة.
ويوضح أبوعوذل: "كانت الإمارات العربية المتحدة شريكا فاعلا في التحالف، وقد تولّت ملف مكافحة الإرهاب منذ وقت مبكر. فبعد تحرير مدن الجنوب من الحوثيين، كانت المكلا ومدن ساحل حضرموت تحت قبضة تنظيم "القاعدة" بقيادة خالد باطرفي".
وتحمّلت الإمارات مسؤولية تحرير ساحل حضرموت، وبدأت بتجهيز قوة محلية من أبناء حضرموت لتنفيذ عملية التحرير، بحسب الكاتب والمحلل السياسي اليمني، لافتًا إلى أنه منذ أبريل 2016 وحتى الأول من ديسمبر 2025، لم تُسجَّل أي عملية إرهابية أو اغتيال أو حتى حادثة نهب أو سرقة في المكلا وبقية المدن الساحلية، وهي معادلة يحاول الإعلام الإقليمي واليمني القفز عليها وتجاوزها.
ترويج لرواية مضللة وكاذبة
لكن السؤال الأهم، والحديث للكاتب والمحلل السياسي اليمني أبوعوذل، ماذا بعد أن تمددت الجماعات المسلحة والقبلية، القادمة من مأرب والجوف ومناطق سيطرة الحوثيين؟، ويجيب: "لقد أصبحت الفوضى سيّد المشهد، وأبناء حضرموت يدركون ذلك جيدًا".
ويردف: "من يتحكم بالسردية الإعلامية يهدف إلى التصعيد وإدخال المنطقة في خضم فوضى كبيرة، فهذه المزاعم لم تورد أسماء محتجزين، ولا بلاغات قانونية موثقة، ولا جهات حقوقية محايدة قامت بالتحقق، ولا صورا أو تسجيلات واضحة تربط المكان بوظيفة الاحتجاز؛ ما يعني أن ما يجري هو ترويج لرواية مضللة وكاذبة".
وبعد جهود الإمارات في مكافحة الإرهاب وتصفية وجود تنظيم "القاعدة"، كان الطرف المستفيد هم المدنيون في حضرموت، كما يذكر أبوعوذل، لكن الخاسر الأكبر هو التنظيم الإرهابي بجانب شبكات الفوضى.
وبالتالي، فمن غير المنطقي تصوير الطرف الذي ساهم في إنهاء نفوذ "القاعدة" خلال أشهر، على أنه صانع "مخابئ متفجرات" داخل مطار مدني، من دون تقديم دليل قابل للتحقق، وفق الكاتب والمحلل السياسي اليمني صالح أبوعوذل.
ويرجح أبوعوذل أن ما تقوم به السلطة المحلية حاليا هو محاولة لإنتاج "عدو" في ذهن الناس، للتغطية على حالة الفشل والفساد ونهب الممتلكات العامة، وفشل هذه السلطة في إعادة ممتلكات المواطنين.
ويختتم حديثه قائلًا إن "الاتهامات التي جرى تسويقها بشأن ارتباط أسلحة ومتفجرات بدولة الإمارات داخل مطار الريان تفتقر إلى "معيار الإثبات، ولا تقوم على أي معطيات فنية قابلة للتحقق، مثل الأرقام التسلسلية أو محاضر الضبط القضائية أو سلسلة حيازة واضحة".
كما أن القفز إلى مزاعم "سجون سرية" اعتمادا على وجود مرافق محصنة أو غرف عمليات داخل منشأة عسكرية يُعد خلطا متعمدًا بين طبيعة البنية العسكرية وادعاءات الاحتجاز غير القانونية. في حين يزداد هذا الخطاب هشاشة أمام إعلان الإمارات انسحابها العسكري الكامل رسميًا في مطلع ديسمبر العام الماضي، ما يجعل الرواية أقرب إلى محاولة سياسية لتوجيه الرأي العام، لا إلى كشف أمني موثوق.
الاحتكام للأدلة الموثوقة
إذًا، تأتي هذه الاتهامات في سياق سياسي وإعلامي معقّد، تتداخل فيه الأبعاد الأمنية مع التجاذبات السياسية والإقليمية، وفق الباحث اليمني ورئيس مركز "عدن" للدراسات الإستراتيجية الدكتور عديل الطهيش، لافتًا لـ"المشهد" إلى أنه "في مثل هذه المراحل الحسّاسة، تتصاعد حدّة الخطاب الإعلامي، حيث تُستخدم قضايا أمنية أو سيادية كأدوات ضغط أو رسائل سياسية".
ومع ذلك، فإن التعاطي المسؤول مع هذه الملفات يتطلب الالتزام بالشفافية، والاحتكام للأدلة الموثوقة، والابتعاد عن التصعيد الإعلامي الذي قد يُربك المشهد أو يؤثر على الاستقرار المحلي والإقليمي، وفق الطهيش.
ويوضح مدير مركز "عدن" للدراسات الإستراتيجية أن التعبئة السياسية والإعلامية المستمرة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها:
- إعادة تشكيل موازين القوى السياسية داخل المشهد المحلي وتوجيه الرأي العام نحو قضايا محددة في لحظة سياسية حسّاسة.
- تعزيز مواقع تفاوضية لبعض الأطراف في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.
- استمرار هذه التعبئة دون أطر مؤسسية واضحة قد ينعكس سلبًا على الاستقرار، ويؤثر على الثقة العامة، ويعقّد فرص التهدئة والحوار البنّاء.
وبحسب الطهيش، فإن غياب هذه المزاعم في الفترات السابقة، وظهورها في هذا التوقيت تحديدا، يثير تساؤلات مشروعة حول السياق السياسي والإعلامي الذي رافق طرحها؛ حيث إنه في العادة، تُربط قضايا التهريب والتسليح غير المشروع بسياقات أمنية معروفة وأطراف سبق أن وُجهت لها اتهامات موثقة. أما طرح مثل هذه القضايا في لحظة سياسية معينة ومحتدمة، فقد يكون مرتبطًا بمتغيرات جديدة في المشهد أو بمحاولات إعادة توجيه النقاش العام.
ومن هنا، تبرز أهمية أن تُعالَج هذه الملفات عبر القنوات الرسمية والقانونية، وبما يحفظ سيادة الدول المعنية ويعزز الاستقرار بدلًا من توسيع دائرة الجدل الإعلامي، وفق المصدر ذاته.