hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 ابتزاز سياسي.. "حزب الله" يهدد لبنان بورقة الحرب الأهلية

المشهد

تهديدات نعيم قاسم بإسقاط الحكومة محاولة للهروب من مسؤولياته ونتائج الحرب الكارثية (رويترز)
تهديدات نعيم قاسم بإسقاط الحكومة محاولة للهروب من مسؤولياته ونتائج الحرب الكارثية (رويترز)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • تهديدات نعيم قاسم بإسقاط الحكومة اللبنانية هي رسالة تعبوية وتحريضية.
  • التهديد المباشر والعنيف الذي لوّح به قاسم يكشف حمولة خطابه الأيدولوجي ضد الدولة.
  • مراقبون: خطاب قاسم ابتزاز للدولة وتعطيل لخطواتها لإنهاء الحرب والسلاح المتفلت وغير الشرعي.

"من حق الشعب أن ينزل إلى الشوارع، وأن يسقط الحكومة، وأن يقاوم المشروع الإسرائيلي الأميركي بكل ما أوتي من قوة". لا تبدو هذه العبارات التي رددها أمين عام حزب الله نعيم قاسم، مجرد خطاب سياسي عادي أو طارئ في لحظة تشهد توترات متصاعدة، محليًا وإقليميًا، إنما بمثابة رسالة مزدوجة، تعبوية وتحريضية، بحسب ما أفاد محللون.

رسالة مزدوجة

هذه الرسالة المزدوجة تتحرى حواضن الحزب، التي تميل أو بالأحرى لديها جاهزية للعنف، كما تبعث بتهديداتها إلى خصومهم في مواقع متفاوتة، رسمية ومجتمعية.

كما أن التهديد المباشر والعنيف الذي لوّح به قاسم، يكشف عن حمولة خطابه الأيدولوجي الذي يصعّد من خلاله ضد الدولة، بينما يسعى إلى إرباكها وتطويقها بأزمات داخلية لجهة تحقيق مصالح الحزب الفئوية، ثم استمرار تبعيته في المدار السياسي لـ"الولي الفقيه" في إيران.

وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإن الأمين العام لـ"حزب الله" المدعوم من إيران، لا يتوانى عن ابتعاث ذاكرة الحرب الأهلية، كما يواصل خطاباته التهديدية لـ"ابتزاز" الدولة، وتعطيل خطواتها السياسية والدبلوماسية لطي صفحة الحرب وإنهاء السلاح غير الشرعي والمتفلت.

وقد هاجم قاسم المفاوضات المباشرة التي انخرطت فيها الدولة اللبنانية مع إسرائيل. واعتبر أن "المفاوضات المباشرة مرفوضة، وهي كسب خالص لإسرائيل".

إدانة أميركية

ومن جهتها، دانت الولايات المتحدة، الأحد، بـ"أشد العبارات" تهديدات "حزب الله"، التي وصفتها بـ"المتهورة" بإسقاط الحكومة اللبنانية المنتخبة ديمقراطيًا.

ونقلت الخارجية الأميركية عن الوزير ماركو روبيو، أن "حزب الله" قد تجاهل الدعوات المتكررة من الحكومة اللبنانية الشرعية لوقف هجماته، واحترام، وقف إطلاق النار (مع إسرائيل)".

كما شدد وزير الخارجية الأميركي على أن واشنطن "تقف بحزم إلى جانب الحكومة اللبنانية الشرعية في جهودها لاستعادة سلطتها وبناء مستقبل أفضل لجميع اللبنانيين"، وقال إن "تهديدات حزب الله بالعنف والإطاحة بالحكومة لن يُسمح لها بالنجاح".

تهديد الدولة

وفي حديثه لمنصة "المشهد"، انتقد نائب الأمين العام لحزب الكتائب اللبنانية بشير مراد تصريحات نعيم قاسم بشأن التهديد بإسقاط الحكومة، معتبرًا أن "من المؤسف أن جهة تدّعي تمثيل المقاومة اللبنانية تتجه إلى تهديد الدولة وبقية اللبنانيين، سواء عبر التلويح بإسقاط الحكومة أو بإثارة الحديث عن حرب أهلية".

وأشار مراد إلى أن "حزب الله" ممثل داخل الحكومة عبر وزراء تابعين له ولـحركة أمل، متسائلًا: "إذا كان الحزب يعتبر أن أداء الحكومة سيئ، فلماذا لا يبدأ بسحب وزرائه منها بدلًا من التهديد بالتصعيد في الشارع؟"، لافتًا إلى أن القوى الحليفة للحزب تملك حضورًا وزاريًا وازنًا داخل السلطة التنفيذية.

وأضاف أن رئيس الجمهورية والحكومة يخوضان مفاوضات تهدف أساسا إلى تحقيق المطالب التي يرفعها "حزب الله" نفسه، وفي مقدمتها الانسحاب الإسرائيلي، وإعادة الأسرى والنازحين، مشيرًا إلى أن اللجوء إلى التهديد الداخلي في ظل هذه المفاوضات يطرح علامات استفهام حول حقيقة أهداف التصعيد السياسي.

وتساءل مراد عن الوسائل البديلة التي يطرحها الحزب لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي أو تحرير الأسرى خارج إطار التفاوض، قائلًا إن الحزب يعتبر عملياته العسكرية دفاعًا عن لبنان، فيما تبقى المفاوضات المسار العملي لتحقيق بقية الأهداف التي يعلنها.

التلويح بالحرب الأهلية

وبسؤال نائب الأمين العام لحزب الكتائب اللبنانية عن تلويح قاسم أو الإشارة بالحرب الأهلية وابتعاث هذه الذاكرة، أجاب: "لا يوجد في لبنان طرف آخر مسلح أو مستعد للدخول في مواجهة داخلية مع "حزب الله""، مشددًا على أن أي صدام محتمل بين الحزب والجيش اللبناني "لن يندرج ضمن إطار الحرب الأهلية، بل سيُعتبر مواجهة بين الدولة اللبنانية وفصيل مسلح مرتبط بالخارج".

ورأى أن الحزب "لم يعد يمتلك القدرة الفعلية على تنفيذ تهديداته"، مضيفًا أن الأجدى، إذا كان لا يزال يمتلك قوة عسكرية، أن يوجه هذه التهديدات المزعومة نحو "وقف التقدم الإسرائيلي في الجنوب، ومنع قضم القرى اللبنانية واستهداف البلدات"، بدلًا من توجيه خطابه وتعميمه للداخل اللبناني.

وختّم مراد بالقول إن "تهديد الدولة والجيش وبقية اللبنانيين يتناقض مع مفهوم المقاومة"، وقال إن الحزب "بات يشكل ميليشيا مدعومة من إيران تجر لبنان إلى مزيد من الدمار"، في مقابل ما وصفه بـ"التفاف غالبية اللبنانيين حول الدولة ومؤسساتها الشرعية".

وليس خافيًا أن تهديدات قاسم تكشف بصورة واضحة "نزعات حرب أهلية" كامنة في الخطاب السياسي للحزب، وفق الكاتب والمفكر اللبناني حازم صاغية، موضحًا لـ"المشهد" أن طبيعة النظام اللبناني القائم على التوازنات الطائفية تجعل من هذا الطرح شديد الحساسية، خصوصًا أن رئاسة الحكومة تُعد موقعًا مرتبطًا بالطائفة السنية، ما يجعل الدعوة إلى إسقاط الحكومة في الشارع بمثابة استفزاز مباشر لها، في وقت تبدي فيه شرائح واسعة من الطائفة المسيحية تأييدًا للقرارات الحكومية التي أثارت اعتراضات الشيخ قاسم.

خطاب التصعيد

وأضاف الكاتب والمفكر اللبناني أن حديث "حزب الله" عن كونه "حركة مقاومة وطنية جامعة للبنانيين" يتناقض مع خطاب التصعيد الداخلي، معتبرًا أن هذا النوع من المواقف لا يصب إلا في خانة التحريض على فتنة أو حرب أهلية داخلية.

ورأى صاغية أن المفارقة تكمن في أن الحزب، الذي يزعم عبر إعلامه أنه يخوض "مواجهة ناجحة" مع إسرائيل ويحقق "انتصارات كبيرة"، بات منشغلًا في الوقت نفسه بالتصعيد السياسي الداخلي والسعي لإسقاط الحكومة اللبنانية. وتابع أن هذا التناقض يعكس "خواء القيادة السياسية للحزب"، متهمًا إياها باللجوء إلى "الدعاية والتضليل الإعلامي" في رسم صورة مغايرة للواقع، سواء بشأن أدائها العسكري أو موقعها داخل لبنان.

يتفق والرأي ذاته النائب اللبناني أشرف ريفي، والذي عدّ تهديد قاسم بعملية التفاف أو "مناورة تكتيكية" للهروب من أزماته وهزائمه الخارجية من خلال توتير البيئة السياسية اللبنانية، وذلك على نحو مماثل لما جرى في حرب عام 2006 عندما لجأ إلى الضغط السياسي والأمني لفرض وقائع تخدم مشروعه، بدلًا من تحمّل نتائج مغامراته الإقليمية.

ورأى ريفي في حديثه لـ"المشهد" أن الحزب يعيش اليوم حالة ارتباك متزايدة في ظل التحولات الإقليمية والدولية، ما يدفعه إلى إعادة إنتاج أدوات "التعطيل" و"الابتزاز" السياسي نفسها.

غير أن النائب اللبناني يؤكد أن الوضع قد تغيّر، وأن زمن فرض الإرادات بقوة السلاح أو التعطيل قد انتهى. وتابع: "هناك اليوم دولة وجيش وقرار سياسي وطني سيادي مستقل جاهز لمواجهة أي محاولة انقلابية على المؤسسات والدستور"، لافتًا إلى اصطفاف اللبنانيين، ورفضهم الاستجابة إلى منطق الوصاية أو شلّ العمل الحكومي، وقد دعا الحكومة التمسك بصلاحياتها الدستورية وحماية السيادة الوطنية وعدم الخضوع لأي تهديد داخلي مهما كانت طبيعته أو مصدره.

دور وظيفي

وتقول الأكاديمية اللبنانية المختصة في الشؤون السياسية حياة الحريري لـ"المشهد" إن الحزب يستفيد من طبيعة النظام الطائفي في لبنان، وهو يرفق تهديده هذا دائما بمحطات مختلفة من الحرب الأهلية، خصوصًا مسألة انشقاق الجيش اللبناني التي وقعت في العامين 1976 و1983، متجاهلًا اختلاف الظروف الداخلية والإقليمية والدولية بين تلك الحقبة واللحظة الراهنة.

وأشارت الحريري إلى أن "حزب الله" بحاجة ضرورية وملحة إلى عدوّ داخلي للتعمية عن فشله وإخفاقاته في الحرب، وذلك للإمساك ببيئته وتثبيت نفسه كـ"مدافع وحيد" عن وجودهم.

لهذا، يعمد الحزب إلى تكريس الاعتقاد لدى بيئته بأن الشيعة في لحظة "تهديد وجودي"، على حد توصيف الأكاديمية اللبنانية المختصة في الشؤون السياسية، وأن هناك مؤامرة على وجودهم من خلال إجراءات الحكومة بحصر السلاح، وذلك لتأمين استمرارية حالة الاستقطاب والمظلومية بغرض توظيفها سياسيًا، بما يسمح بتحقيق هدف مزدوج، سواء التهرب من المسؤولية حول الحرب ونتائجها أو بالأحرى تبعاتها الكارثية الاقتصادية والاجتماعية التي لم تظهر بعد، أو خلق عدوّ وهمي وهو الدولة، لتكريس التبعية و"الإمساك بالقرار الشيعي باسم الدفاع عن الوجود. فاستمرار الأزمات يخدمه، بكل الأحوال".

وترجح أن "حزب الله" يدرك أنه سيكون الخاسر الأول والأكبر إن قرر، فعلًا، الذهاب إلى إسقاط الحكومة؛ لأن كل الظروف الداخلية والإقليمية والدولية ليست في صالحه. لكن، لا ينبغي استبعاد قيامه بأي" خطوة انتحارية" مباغتة جديدة، خصوصًا أنه في "وضع متفلت" بغية البقاء والحفاظ على سلطته ومكتسباته أو امتيازاته في الدولة بصرف النظر عن أمن ومصلحة بيئته والمجتمع اللبناني بشكل عام.