في غرفة عمليات القيادة الوسطى، لم يكن سؤال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عن "انقلاب البنادق" سؤالاً أمنياً فحسب، بل كان اعترافاً بأن إسرائيل تعيش في فخ من صنع يديها، فمن جهة، تُدرب جيشها على سيناريو تحول أسلحة الأجهزة الفلسطينية ضدها، ومن جهة أخرى، تمعن في سياسات تدفع الضفة نحو هذا الانفجار بالذات، استيطان يلتهم الأرض، وحصار مالي يخنق السلطة، وعمليات عسكرية حولت المدن والمخيمات إلى ساحات مواجهة.
وفي تناغم مع ذلك، تتحدث التقارير الإسرائيلية عن استعداد الجيش الإسرائيلي لسيناريو "انقلاب فوهات البنادق"، وعلى نحو متزامن تواصل الحكومة الإسرائيلية دفع مشاريع استيطانية غير مسبوقة، وتحتجز نحو 11 مليار دولار من أموال المقاصة، تاركة السلطة على 10% من إيراداتها، هذا التناقض ليس عرضياً، بل هو جوهر الإستراتيجية الإسرائيلية، وفق محللين لـ"المشهد"، من أجل "إضعاف السلطة مالياً وسياسياً، وتوسيع الاستيطان جغرافياً، وإبقاء الأجهزة الفلسطينية أمام خيارين، إما نزع السلاح، أو الانفجار".
وفي العمق الإسرائيلي، تستعد المؤسسة الأمنية لمواجهة السيناريو، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية، أن جهات في حكومة نتانياهو "تريد هذا السيناريو؛ لأنه يخدم مصالحها الإنتخابية"، بينما يصف ضباط كبار التهديدات العلنية "بالخطيرة وغير الضرورية"، وفي المقابل تعيش السلطة الفلسطينية على حافة الانهيار المالي بفعل الحصار الإسرائيلي الخانق، والأوضاع الميدانية مع توالي العمليات العسكرية الإسرائيلية في أرجاء الضفة الغربية.
خشية واستعدادات إسرائيلية
إلى ذلك، كشفت وسائل إعلام إسرائيلية أن المؤسسة الأمنية "تخشى السيناريو" بينما "جهات في حكومة نتانياهو تريده لأنه يخدمها انتخابياً"، وأن اهتمام نتانياهو بهذا الملف "ليس بريئاً" بل "يبدو أقرب إلى أمنية سياسية"، وفي الوقت نفسه، يؤكد الجيش الإسرائيلي أنه "لا يمتلك أي معلومات استخبارية تشير إلى أن السلطة الفلسطينية تستعد حالياً لتنفيذ مثل هذه الخطوة".
من جانبه، أشار الخبير والمحلل السياسي الإسرائيلي كوبي لافي خلال حديثه لمنصة "المشهد"، أنه "لا يُطرح في إسرائيل سيناريو انقلاب البنادق كنوع من الترف الأمني، بل هو قلق حقيقي ومتعمق داخل المؤسسة الأمنية، لكنه في الوقت نفسه محمل بدلالات سياسية معقدة تستخدم وتوظف في الساحة الداخلية، من الناحية العسكرية البحتة، التهديد ليس نظرية مؤامرة، نحن نتحدث عن قوة قوامها نحو 70 ألف مسلح، أي ما يقارب 6 أضعاف ما سمح به في اتفاقيات أوسلو، مسلحين بعشرات الآلاف من البنادق والمسدسات، ومدافع رشاشة، وعشرات المركبات المدرعة، بل وحتى قاذفات آر بي جي، هذا يثير قلقاً إستراتيجياً عميقاً، والمسافة لا تتجاوز بعض الكيلومترات في كثير من المواقع، فأي انقلاب محتمل سيشكل تهديداً مباشراً لملايين الإسرائيليين في وسط البلاد، الجيش الإسرائيلي يتعامل مع السيناريو بجدية تامة، رئيس الأركان إيال زامير أكد للمستوى السياسي أن الجيش تدرب على هذا السيناريو، وأن فرقة الضفة الغربية أجرت تدريبات تحاكيه، وأنه يعرف كيف يتعامل معه".
أمام هذا السيناريو المعقد، ما العقبات التي تجعل تنفيذ هذا السيناريو صعباً أو مستبعداً إسرائيلياً، يجيب الخبير والمحلل السياسي لافي، قائلاً: "من وجهة نظر إسرائيلية، السيناريو خطير، لكنه ليس بالأمر السهل على الإطلاق، وهناك فرق كبير بين انقلاب منظم وانفلات غير منظم، الكابوس الحقيقي ليس انقلاباً تخطط له السلطة، بل انفلات لا تسيطر عليه السلطة، وهذا السيناريو ممكن، بل وقد يكون مرجحاً أكثر من الانقلاب المنظم، حيث إن الأجهزة الفلسطينية ليست جيشاً موحداً، هي منقسمة إلى عدة فروع بأجهزة متعددة كالأمن الوطني، والأمن الوقائي، والاستخبارات العسكرية، والشرطة، وتخضع في نهاية المطاف لقيادة سياسية واحدة، لكن أي قرار بقلب البنادق بشكل منظم يتطلب قراراً سياسياً من أعلى مستوى، وهذا أمر غير مطروح حالياً، السلطة الفلسطينية بتركيبتها الحالية تتمسك بفكرة السلاح الواحد وتدعو الفصائل لتسليم سلاحها، وهي ليست في وارد المواجهة الشاملة".
"انقلاب البنادق" ذريعة بثوب التهديد
لم يعد سيناريو "انقلاب البنادق" مجرد تكهنات نظرية في غرف العمليات الإسرائيلية، بل تحول إلى مادة تدريبية يستعد لها الجيش الإسرائيلي بجدية غير مسبوقة، رئيس الأركان إيال زامير أقر علناً بأن الجيش "تدرب على السيناريو"، ووزير الأمن كاتس هدد "بحرب شاملة" وتهجير مدن كاملة إذا ما تحولت بنادق الأجهزة الفلسطينية ضد إسرائيل.
وفي هذا الصدد، أكد الخبير في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور لمنصة "المشهد" بأن "سيناريو انقلاب البنادق ليس تهديداً حقيقياً بقدر ما هو ذريعة إسرائيلية معدة سلفاً لتنفيذ أجندة سياسية مزدوجة، لتصفية ما تبقى من ترتيبات أوسلو، وقطع أي أمل في إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، فالحديث عن "انقلاب البنادق" يخدم 3 أهداف إسرائيلية:
- الأول، تبرير العدوان على الضفة وشن عملية عسكرية واسعة تُصفّى فيها ما تبقى من مقومات السلطة
- الثاني، الضغط على الإدارة الأميركية لقبول خطة نزع سلاح الأجهزة الفلسطينية تحت ذريعة منع السابع من أكتوبر آخر
- الثالث، تحويل الأنظار عن الاستيطان وعنف المستوطنين، وتصوير الفلسطيني دائماً كطرف يخطط للهجوم، لا كطرف يقع عليه الاحتلال
واستعرض الخبير في الشؤون الإسرائيلية منصور حديثه لمنصة "لمشهد" بالقول، "لكن هذا لا يعني أن السيناريو مستحيل، الاحتمال قائم، لكنه ليس انقلاباً بمعنى الانقلاب العسكري المنظم، بل قد يكون رد فعل تلقائياً من عناصر غاضبة إذا ما تعرضت الأجهزة لحملة نزع سلاح مهينة أو إذا ما انهارت السلطة كلياً، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، ليس في قرار سياسي، بل في فوضى لا أحد يتحكم بها، هناك 3 محركات رئيسية قد تدفع عناصر من الأجهزة لقلب بنادقها في حال انهيار السلطة:
- المحرك الأول، نزع السلاح تحت الضغط، إذا ما استجابت القيادة الفلسطينية لخطة صفر رصاصة وسحبت الأسلحة من الأجهزة، فإن آلاف العناصر سيجدون أنفسهم أمام خيارين، إما التسليم والتحول إلى شرطة بلا سلاح ولا كرامة، أو التمرد
- الثاني، الانهيار المالي الكامل، الأجهزة الأمنية في الضفة تضم عشرات الآلاف من العناصر الذين لم يتقاضوا رواتبهم كاملة منذ أشهر طويلة، إذا ما استمر احتجاز أموال المقاصة، وإذا ما انهارت السلطة مالياً، فإن هؤلاء العناصر سيجدون أنفسهم أمام فراغ وجودي.
- الثالث، في حال استمرت اعتداءات المستوطنين من دون رادع، وهذا ما حذّر منه قائد المنطقة الوسطى الإسرائيلي عندما وصف عنف المستوطنين بعود ثقاب يمكن أن يشعل كل شيء".
فقاعة إسرائيلية مفتعلة
في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، لا يُطرح سيناريو أمني في العلن إلا لسبب، وسيناريو "انقلاب البنادق" يجيء في توقيت بالغ الدلالة، انتخابات تقترب، وضغوط أميركية تتصاعد، وخطة لنزع سلاح الأجهزة الفلسطينية تنتظر التنفيذ، وفي هذا التقاطع، يتحول الخوف من سلاح إلى ورقة سياسية، والتحذير الأمني إلى أداة انتخابية، وهذا ما يكشفه المحلل السياسي أشرف عُكة لمنصة "المشهد" حول الأهداف الإسرائيلية التي تقف خلف هذا السيناريو المستبعد، قائلاً، "إسرائيل لا تخشى انقلاب البنادق بقدر ما تريد السيناريو، أو على الأقل تريد الإبقاء عليه حياً في الخطاب الأمني والسياسي، فالتحذير منه يخدم أهدافاً إستراتيجية متعددة:
- الهدف الأول تصفية ما تبقى من أوسلو، إسرائيل تريد إنهاء الترتيبات الأمنية التي أفرزها اتفاق أوسلو، لأنها ترى فيها قيداً على حرية حركتها العسكرية في الضفة التي تعمل على ضمها والسيطرة عليها.
- الثاني، تبرير عملية عسكرية واسعة، إسرائيل تريد تنفيذ عملية عسكرية كبرى في الضفة لكنها تحتاج إلى ذريعة، وسيناريو انقلاب البنادق يوفر هذه الذريعة، لسلب المزيد من الأراضي لأغراض التوسع الإستيطاني وتهجير الفلسطينيين
- الثالث، الضغط على الإدارة الأميركية، إسرائيل تريد من واشنطن أن تضغط على السلطة الفلسطينية لنزع سلاح أجهزتها.
- الرابع، تحويل الأنظار عن الاستيطان وهجمات المستوطنين الدامية، كلما تصاعد الحديث عن انقلاب البنادق، اختفى الحديث عن الاستيطان وعنف المستوطنين، إسرائيل تريد أن تكون الضفة دائماً في موقع الدفاع عن النفس، لا في موقع المحتل الذي يوسع مستوطناته.
- الخامس، انتخابي بحت، هناك انتخابات قادمة، وهناك وزراء يريدون إظهار أنفسهم كحمائم أمنية، بالتحذير من سيناريو الانقلاب الذي يخدم هذا الغرض.


