30 عاما مرّت على مصادقة المغرب على الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل، إلا أن أرقاما صادمة كشف عنها وزير العدل تُظهر استمرار تعرّض الأطفال لأشكال استغلال مختلفة تُسائل مدى نجاعة الحماية الجنائية لهذه الفئة.
وتزامنا مع الإصلاحات والتعديلات المنتظر إجراؤها على القانون الجنائي في المغرب، تولي مؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني أهمية قصوى لحقوق الطفل في قضايا مختلفة من ضمنها إثبات النسب بالحمض النووي للأطفال، بحث عقوبات بديلة للأطفال والقصّر وتعزيز نظام المساعدة الاجتماعية بالمحاكم.
في السياق، قال وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي يوم الاثنين إن وضعية الطفل وحمايته الجنائية في حاجة إلى مزيد من الجهود الإصلاحية، وهو "ما تأخذه وزارة العدل ضمن اهتماماتها الأساسية، سواء على مستوى لجانها التشريعية الكبرى: كمشروع مراجعة القانون الجنائي، وقانون المسطرة الجنائية، ومشروع قانون العقوبات البديلة، ومشروع إعداد مدونة الطفل".
وفي مناظرة نظمتها رئاسة النيابة العامة ووزارة الأسرة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، بعنوان "من أجل تكفل ناجع ومندمج بالأطفال في تماس مع القانون"، كشف وهبي أن:
- الوزارة تعمل على رصد الظواهر الإجرامية عموما والمرتكبة في حق الأطفال خصوصا وتحليل الأسباب المؤدية لها، لاستغلالها في السياسة الجنائية.
- المبادرات التشريعية بقدر أهميتها تبقى عاجزة، ما لم تتم مواكبتها بتطبيق أمثل على مستوى الممارسة، وهو ما يحتاج إلى تكثيف الجهود لضمان التنزيل السليم.
- ذلك لا يمكن أن يتحقق بجهود أجهزة إنفاذ القانون فقط وإنما يحتاج إلى العمل الجماعي والتنسيق المحكم، خصوصا بين السياسة الجنائية وباقي السياسات العمومية للدولة.
وبلغة الأرقام، أشار وهبي إلى أن:
- خلال عام 2022 بلغ عدد القضايا المسجلة 24 ألفا و592 قضية.
- بلغ عدد المتابعين 29 ألفا و412 متابعا وعدد الأطفال في وضعية صعبة 1076.
- بلغ عدد المعتقلين احتياطيا 355 معتقلا احتياطيا حتى مايو عام 2023.
ولفت وهبي إلى أن هذه الأرقام تسائل الجميع من أجل إعادة تقييم وضعية الأطفال في تماس مع القانون.
عقوبات بديلة للأحداث
ومن بين الآليات التي تحدث عنها الوزير المغرب تلك المتعلقة برفع السن الموجب لتدبير الإيداع عند الضرورة أكثر مما هو معتمد حاليا ( 16 سنة في الجنح و14 سنة في الجنايات)، إضافة إلى:
- تدبير التسليم للأسر البديلة واختزال المسار القضائي في الحالات المعاقب عليها بالتوبيخ مراعاة لخصوصية الطفل.
- الاستفادة من العقوبات البديلة التي تتناسب مع وضعية الأحداث كالعقوبات المرتبطة بالعلاج والتأهيل والتكوين.
- تعزيز صلاحيات ومهام المساعدين والمساعدات الاجتماعيات في المحاكم.
وفي حديث لمنصة "المشهد"، أوضح رئيس المرصد المغربي للسجون عبد اللطيف رفوع أن مقترح العقوبات البديلة يشمل جميع السجناء سواء قاصرين أو بالغين، لأهداف عدة، أبرزها:
- تخفيف الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية.
- الوقوف عند عطب في السياسة الجنائية وهي العقوبة قصيرة الأمد بين سنة وسنتين أو 5 سنوات التي تعيق الإدماج.
- هناك بدائل مقترحة مثل الخدمة العامة، السوار الإلكتروني وآليات بديلة للعقوبات مثلا: مدمن المخدرات الذي ينتظر المحاكمة يجب أن يكون في مؤسسات علاجية.
وكشف المصدر ذاته أن عدد الأحداث في المؤسسة السجنية خلال عام هو نحو 2000 طفل، مؤكدا أن الطفل لا يجب أن يوضع في مراكز الإصلاح والتأهيل إلا في حالات استثنائية، ومادام المغرب صادق على اتفاقية دولية فيجب تنزيلها على أرض الواقع.
وأكد رفوع أن السياسة الجنائية لا يجب أن تعالج ظاهرة إجرام الأحداث من خلال إجرام الراشدين، "هناك خصوصية تقتضي أن يوضع الطفل في مؤسسة تربوية ومساعدته على الدراسة وتأهيله اجتماعيا".
"معالجة الأحداث يجب أن تتم من خلال بعد تربوي ولا يجب إيداع الأطفال والقاصرين في مراكز الإصلاح إلا في حالات مثل جرائم القتل"، يختم رفوع تصريحه.
حاجة ملحّة لإصلاح القانون الجنائي
من جانبها، أكدت رئيسة جمعية "أيادي حرة" ليلى أميلي أن هناك حاجة ملحة إلى مزيد من الجهود والإصلاحات لحماية الطفولة في المغرب.
وقالت المحامية المغربية في حديث لمنصة "المشهد" إن مراجعة القانون الجنائي في مجلس النواب سيتضمن مجموعة من الإصلاحات تخص آليات قانونية تكفل حماية الطفل من أي انتهاك، مثل الاتجار بالبشر والتشرد.
واعتبرت أميلي أن وزارة العدل المغربية تولي اهتململ لأطفال الأمهات العازبات، إذ دعا الوزير إلى أهمية إثبات النسب من خلال الحمض النووي وأن الأب أو الأم ملزمان بتوفير الرعاية لذلك الطفل ستقابلهما عقوبات صارمة.
"هناك تأكيد على مسألة النسب، وسيكون هناك تجريم لمن يأخذ الأطفال بغرض التسول، وهناك تشديد للعقوبات، لأنه من العيب أن يبقى أطفالنا في حالة تشرد أو استغلال"، تقول أميلي.
ولحماية الأحداث والجانحين، تطالب المنظمة الحقوقية بالاعتماد على إجراءات تأهيلية وعلاجية بدلا من العقوبات السجنية للقاصرين كما أشار إلى ذلك وزير العدل.
وعن الجدل الدائر حول مقترحات تعديلات القانون الجنائي، ترى أميلي أن هذا القانون وصل إلى سن التقاعد، "نحن كحقوقيات وكمجتمع مدني حداثي ديمقراطي نطالب بتعديل جذري للقانون الجنائي الذي مرّ على إقراره 60 عاما".
وتوضح أميلي أن تعديل القانون الجنائي ضروري ليكون متناسبا مع دستور 2011 والاتفاقيات الدولية ومدونة الأسرة، "كل هذه العوامل تحتم أن يكون هناك تعديلات على القانون لعل أبرزها تشديد العقوبات على مغتصبي الأطفال".
وتتضمن مدونة الأسرة في المغرب بعض المواد التي تتعارض مع ما يسميه الدستور المغربي لعام 2011 "المصلحة الفضلى للطفل".