لا تنفصل حسابات الحرب مع إيران عن الاستحقاق الانتخابي المقبل. فمع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في 3 نوفمبر، تتزايد الضغوط على الرئيس دونالد ترامب بفعل كلفة المواجهة وارتفاع أسعار الوقود، فيما تترقّب طهران ما إذا كانت نتائج الاقتراع ستغير موازين القوى داخل الكونغرس، وتحد من قدرة الرئيس على مواصلة المواجهة.
ولا تقتصر أهمية الانتخابات على الحزب الجمهوري الذي سيسيطر على الكونغرس بغرفتيه، بل تمتد إلى حسابات الحرب والتفاوض، في وقت يواجه فيه ترامب اختبارا سياسيا يتعلق بقدرته على إقناع الأميركيين بأن استمرار الحرب يخدم مصالحهم، بينما تراهن إيران على أن الضغوط الداخلية قد تغير شروط التعامل معها.
الأغلبية المهددة
يرى الصحفي الاستقصائي والكاتب الأميركي راي لوكر أن إستراتيجية ترامب ألحقت ضررا بالولايات المتحدة، وأن ارتفاع أسعار البنزين والديزل، إلى جانب تداعيات الحرب على علاقات واشنطن بحلفائها، جعل المواجهة عبئا سياسيا على الإدارة. ويعتقد أن الجمهوريين قد يخسرون السيطرة على الكونغرس في انتخابات كان يمكنهم، بحسب تقديره، تجنب هذه المخاطر فيها.
وذكر لوكر في حديث لـ"المشهد" أن حساسية هذا الملف في أن الناخب الأميركي لا يقيس الحرب بأهدافها العسكرية وحدها، بل بما يلمسه من أثرها على تكاليف المعيشة. فارتفاع أسعار الوقود ينعكس على النقل والسلع والخدمات، ويزيد الضغوط على الأسر، فيما يمنح معارضي الإدارة فرصة للتشكيك في جدوى استمرار المواجهة، خصوصا إذا لم تتضح نهايتها أو نتائجها السياسية.
ولا يقتصر التململ على الديمقراطيين، فقد أبدى عدد من الجمهوريين تحفظات على استمرار الحرب، في مؤشر إلى أن كلفتها قد تفتح خلافات داخل الحزب بشأن حدود الدعم الذي ينبغي تقديمه للرئيس.
وفي سبتمبر، أخفق مجلس الشيوخ في تمرير قرار ديمقراطي يهدف إلى تقييد استمرار العمليات العسكرية من دون تفويض من الكونغرس، رغم انضمام 4 جمهوريين إلى مؤيديه.
لكن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم، إن حدثت، يقول راي لوكر لمنصة "المشهد" إنها لن تعني بالضرورة أن ترامب سيغير إستراتيجيته فورا. فالأثر الأوضح سيكون في البيئة السياسية المحيطة بقراراته، وفي قدرته على تمرير التشريعات وتأمين الدعم اللازم لسياساته، فضلا عن تصاعد الرقابة البرلمانية على إدارة الحرب وكلفتها.
ورقة الوقت
وأضاف لوكر "في المقابل، قد تقرأ إيران المشهد الانتخابي الأميركي باعتباره عاملا إضافيا في حسابات التفاوض. ويرى لوكر أن طهران قد تعتقد أن خسارة الجمهوريين أغلبيتهم ستزيد الضغوط على ترامب، وتضعف قدرته السياسية على مواصلة الحرب، ولذلك قد لا تجد مصلحة في تقديم تنازلات قبل اتضاح نتائج الانتخابات".
ويقوم هذا التقدير على فرضية أن القيادة الإيرانية ترى أن بإمكانها تحمل استمرار المواجهة، وأن الانتظار قد يمنحها موقعا أفضل إذا اضطر البيت الأبيض إلى التعامل مع كونغرس أكثر معارضة لسياساته. فبدلا من منح ترامب اتفاقا يستطيع تقديمه باعتباره إنجازا قبل الاقتراع، قد تفضل طهران إبقاء خياراتها مفتوحة إلى ما بعده.
وتكتسب هذه الحسابات أهميتها من أن الوقت نفسه قد يتحول إلى ورقة تفاوضية. فإذا اعتقدت طهران أن الضغوط الاقتصادية والسياسية ستتزايد على الإدارة الأميركية مع اقتراب الانتخابات، فقد ترى أن التريث أفضل من تقديم تنازلات لا تضمن مقابلا سياسيا أو اقتصاديا واضحا. لكن هذا الرهان ينطوي أيضا على مخاطر، حسب المتحدث، إذ لا تضمن إيران أن تؤدي النتائج إلى تغيير موقف واشنطن، أو أن يتراجع الضغط العسكري إذا احتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم.
كما أن الانتخابات ليست العامل الوحيد الذي يحدد موقف إيران. فشروط أي اتفاق محتمل، ومدى استعداد الطرفين لتقديم تنازلات، والتطورات العسكرية، كلها عناصر قد تدفع المفاوضات إلى الأمام أو تبقيها متعثرة. لذلك، لا يمكن الجزم بأن طهران تؤخر التفاوض تحديدا انتظارا للانتخابات، وإن كان توقيت الاقتراع قد يدخل ضمن حساباتها.
ضغط بلا ضمانات
يتوقع لوكر أن يستعيد الديمقراطيون مجلس النواب، وهو ما سيغير طبيعة العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، ويمنح المعارضة مساحة أوسع لمساءلة الإدارة بشأن أهداف الحرب وكلفتها. وقد يستخدم الديمقراطيون جلسات الاستماع والتحقيقات والتصويت على قرارات صلاحيات الحرب، إلى جانب الضغط على التمويل، لمحاولة تقييد تحركات الرئيس.
لكن القدرة على إحراج الإدارة سياسيا لا تعني امتلاك الأصوات اللازمة لوقف العمليات العسكرية. فتمرير إجراءات تشريعية ملزمة يتطلب تجاوز الخلافات بين المجلسين، وقد يواجه أي تحرك اعتراضا رئاسيا أو نزاعا بشأن حدود صلاحيات الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة. وحتى خسارة الجمهوريين المجلسين لن تنهي الحرب تلقائيا، وإن كانت ستزيد صعوبة إدارة الملف سياسيا.
أما إذا احتفظ الجمهوريون بأغلبيتهم، فسيبقى ترامب في موقع أكثر راحة داخل الكونغرس، لكن ذلك لن يبدد الضغوط الناجمة عن أسعار الطاقة أو الانقسامات داخل حزبه. وفي ما يتعلق باحتمال شن ضربة أميركية أوسع قبل الانتخابات، لا يرجح الصحفي الاستقصائي والكاتب الأميركي راي لوكر حدوث ذلك، مع إقراره بصعوبة التنبؤ بخطوات ترامب، في ظل ما يراه فجوة بين تهديداته وما ينفذه فعليا.
وبذلك، يبدو أن الانتخابات النصفية المقبلة لن تحسم وحدها مصير الحرب، لكنها قد تغير كلفة استمرارها على الإدارة الأميركية. فبالنسبة إلى الرئيس دونالد ترامب، ستكون النتائج اختبارا لقدرته على الاحتفاظ بالدعم السياسي اللازم لمواصلة المواجهة، أما بالنسبة إلى طهران، فقد تشكل فرصة لإعادة تقييم شروط التفاوض.



