في مقبرة في جنوب لبنان، تحمل غادة حسين بين يديها صورة ابنها المقاتل في "حزب الله" الذي قُتِل خلال الحرب مع إسرائيل، ودُفِن في قبر مؤقت لعجز عائلته عن العودة إلى قريتها القريبة من الحدود مع استمرار الضربات والمعارك.

"رحل عمري"
وتقول حسين بصوت متقطّع وحزين "رحل عمري، كان صديقي، كنا نفعل كلّ شيء معا.. فعلت كلّ شيء لأربيه"، بينما جلست على عشب اصطناعي فُرش بعناية فوق قبر ابنها في قسم خاص من مقبرة في منطقة حارة صيدا المجاورة لمدينة صيدا الساحلية.
إلى جانبها، صورتان تختزلان حياة ابنها محمّد الطفيلي الذي قتل الشهر الماضي بينما كان ما زال في مطلع الثلاثينيات من عمره: الأولى وهو بزيّ مقاتل من "حزب الله"، والثانية بملابس مدنية وكتب أسفلها لقب "مهندس".

وتقول الأم الثكلى "كتب كتابه قبل الحرب بـ20 يوما، كان عريسا".
وتضيف المرأة المتحدّرة من قرية كفرتبنيت القريبة من الحدود مع إسرائيل في جنوب لبنان "قلت له: تعال معنا، قال لي: كلا، لن أترك القرية".
نزوح متكرر
ونزحت حسين مرات عديدة خلال الأشهر الأخيرة على غرار نحو مليون شخص أرغمتهم الحرب على ترك بيوتهم بحسب السلطات.

وتؤكد المرأة أن العودة إلى القرية ليست بمتناول اليد الآن. وتقول "لم يبق لنا قرية، إنها مدمرة تماما، محروقة، لم يعد هناك بيوت، لم يبق هناك شيء".
لكنّها ما زالت تأمل بدفن ابنها هناك. وتضيف "محمد سيعود إلى القرية ولو بعد عشر سنوات، سيبقى بجانبي، سأذهب لأزوره صباحا وليلا".
وأدّت الغارات الإسرائيلية على لبنان إلى مقتل أكثر 3700 شخص منذ بدء الحرب في 2 مارس، بحسب وزارة الصحة اللبنانية.
ويقول "حزب الله" إن هذه الحصيلة تشمل مقاتليه كذلك.

قبور جديدة
ولم تتوقّف الحرب في لبنان على الرغم من هدنة أعلنتها الولايات المتحدة في أبريل، فالغارات الإسرائيلية تواصلت على جنوب لبنان، وجيشها اجتاح مساحات منه، بينما يواصل "حزب الله" هجماته على القوات الإسرائيلية المتقدّمة.
في ساحة جرداء صغيرة من الحصى تقع فوق مقبرة حارة صيدا الأساسية، حفرت عشرات القبور المؤقتة.
وسيّجت القبور بقطع من الاسمنت ووُضعت على بعضها لافتات مكتوبة بخطّ اليد، خُطّ عليها اسم المتوفى وتاريخ دفنه، بينما تزيّنت أخرى بزهور وصور مدنيين ومقاتلين من "حزب الله" قضوا خلال الحرب، وتعذّر دفنهم في قراهم؛ بسبب الظروف الأمنية.

وتسمح الشريعة الإسلامية لدى المسلمين الشيعة بالدفن في مكان مؤقت كوديعة حين تحول الظروف دون دفن المتوفى حيث يُفترَض.
ويقول رئيس لجنة الأوقاف في حارة صيدا والمشرف على المقبرة حسن صالح، إن هذا القسم أُنشئ إبان جولة المواجهات السابقة بين اسرائيل و"حزب الله" التي بدأت في العام 2023 وامتدّت إلى حرب مفتوحة في العام 2024، وبإشراف من المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى.

وبعد وقف لإطلاق النار أعلن عنه في نوفمبر 2024 أيضا، لم تتمكّن عائلات عديدة من دفن ذويها في قراهم الحدودية مع إسرائيل، التي بقيت مدمّرة ويعجز السكان من العودة إليها منذ ذلك الحين.
"مشاهد مروّعة"
ومنذ مارس، يقول صالح "دفنّا 120 شخصا كوديعة، لدينا اليوم تقريبا 185 وديعة، وما زلنا نفتح قبورا جديدة، ونعمل ليل نهار لاستقبال جثامين شهدائنا وأهلنا ونسائنا وأطفالنا".
ويشرح أن من بين الأشخاص الموجودين هنا "شهداء.. من الدفاع المدني والعزّل الذي كانوا في بيوتهم".
ويوضح "التقسيم يتم حسب العائلات. تأتي عائلة من 4 أو 5 أفراد ندفنهم مع بعضهم كل شخص بصندوق وكل عائلة بقسم".
ويتابع الرجل بحرقة "المشاهد التي نراها مروّعة".

وتنتشر في مناطق أخرى في لبنان أماكن دفن مؤقتة عديدة منها في صور وفي أطراف ضاحية بيروت الجنوبية.
في المقبرة في حارة صيدا، أطلقت امرأة متّشحة بالسواد صرخة مدوّية حين أقبل المشيّعون يحملون نعشا مغطى بعلم "حزب الله" الأصفر وعليه صورة مقاتل كتب عليها اسم حسن علي كلاس، قبل أن يشرع الحاضرون بأداء الصلاة.

بعد ذلك، صعد المشيعون إلى القسم العلوي حيث المقبرة المؤقتة، وبعناية أُخرج الجثمان ملفوفا بقماش أحمر، وأُودع القبر في نعش أغلق بإحكام بلوح خشبي وألواح حجرية.
وقال باسم ياسين (55 عاما) خلال مشاركته في التشييع "هنا أفضل من أن يبقى في المشرحة"، مضيفا "المشكلة أننا لا نستطيع أن نذهب الى القرية، الطيران يمنعنا، يضربون الجميع وليس فقط المقاومين. حتى الأطفال والنساء".