يتصاعد الخلاف حول وزارة الهجرة والمهجرين في الحكومة العراقية، حيث تتصارع الأحزاب المسيحية حول تسمية الوزير، فبينما ترى كتلة صويانا المقرّبة من الحزب الديمقراطي الكردستاني أن الوزارة من استحقاقها الانتخابي، تبرز كتلة بابليون المقرّبة من هيئة الحشد الشعبي كمنافس أول لها.
وصوّت مجلس النواب العراقي يوم الخميس الماضي على 3 نوّاب لرئيس الحكومة علي الزيدي و11 وزارة شاغرة ومستحدثة، لكنه فشل بالتصويت على وزارة الهجرة والمهجرين، بعد أن طرح المجلس رؤى سالم لتولي الوزارة، إلا أن الحزب الديمقراطي الكردستاني رفض التصويت لأن السالم ليست شخصية سياسية مستقلة.
وتتوزع مقاعد الكوتا المسيحية الخمسة في مجلس النوّاب العراقي بين كتلتي صويانا التي تمتلك 3 مقاعد عن كركوك وأربيل ودهوك وتعتبر الكتلة المسيحية الأكبر، وبابليون التي تمتلك مقعدين فقط. وقبيل عملية التصويت أعلن رئيس كتلة صويانا المسيحية النيابية كلدو رمزي أوغنا، أن استحقاق كتلته يستند إلى ماتم الاتفاق عليه مع الزيدي.
كتلة صويانا متمسكة بموقفها
وكشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد" أن رؤى السالم زوجة رئيس الوقف المسيحي وهو كادر متقدم في حركة بابليون ويرتبط بعلاقات وثيقة مع هيئة الحشد الشعبي، هذا ما دفع كتلة صويانا إلى رفض تمريرها، خصوصاً أن الاتفاق مع الزيدي كان هو ترشيح شخصية مستقلة من المكوّن المسيحي لتولي وزارة الهجرة والمهجرين.
وبحسب المصادر، حالياً لا توجد مباحثات حول حقيبة وزارة الهجرة والمهجرين، لأن الفصائل المسلحة منشغلة حالياً بتهيئة نفسها لمواجهة عسكرية مرتقبة خلال الفترة المقبلة، خصوصاً أنه من المتوقع أن تعد الولايات المتحدة العدة لمعركة شرسة ضدها ستبدأ في 3 نوفمبر المقبل.
ويقول النائب السابق في البرلمان العراقي عن كتلة الرافدين عماد يوحنا لمنصة "المشهد" إن بعض الشخصيات السياسية العراقية وفي مقدمتها زعيم تيار الحكمة عمار الحكيم، وقفت مع كتلة صويانا لمنع تمرير التصويت على وزارة الهجرة والمهجرين خلال جلسة البرلمان السابقة، لأن الوزارة هي من استحتقاق الكتلة التي فازت بأكبر عدد من مقاعد الكوتا وهي كتلة صويانا.
ويوضح يوحنا، أن كتلة صويانا كانت مستعدة للحوار مع بابليون للوصول إلى مرشح توافقي، لكن في حال عم وجود حوار أو تفاهم، فالمعيار يذهب إلى الكتلة التي حصلت على أكبر عدد من المقاعد خصوصاً عندما نتحدث عن تولي منصب وزير للهجرة والمهجرين. مضيفاً: 90 بالمئة من مقاتلي بابليون في الحشد الشعبي وليسوا مسيحيين، ولا يمثلون المكون المسيحي.
ويؤكد يوحنا، أن كتلة صادقون مع حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، تحاول تهميش دور كتلة صويانا على حساب تمرير شخصية من كتلة بابليون، أما نحن فنوّاب مستقلين ولا يوجد أي صلة تربطنا سياسياً او حزبياً بالحزب الديمقراطي الكردستاني، ولسنا مع حلف ضد آخر بل نرغب بتمثيل حقيقي المكون المسيحي وكرامته وحريته في التعبير عن نفسه.
وصويانا كتلة نيابية مستقلة في مجلس النوّاب العراقي، تأسست نهاية العام 2025، لتمثّل المكوّن المسيحي، أما بابليون فهي حركة سياسية وعسكرية مرتبطة بالمكوّن المسيحي، برزت في العام 2014، كقوّة مسلحة ضد تنظيم داعش في سهل نينوى، زعيمها ريان الكلداني المرتبط بكتائب بابليون التابعة لهيئة الحشد الشعبي.
حركة بابليون ترفض الحوار
وما يثير مخاوف المكوّن المسيحي هو أن حركة بابليون لا يقتصر عملها على النشاط السياسي، بل لديها قوات مسلحة ضمن هيئة الحشد الشعبي، وتمرير شخصيات مستقلة شكلياً سيرفع حدة الصراع على النفوذ الإداري في أقضية سهل نينوى وسنجار، في ظل تمسّك كل كتلة بموقفها مدعومة من أحزاب سياسية أخرى.
ويقول عضو مجلس محافظة نينوى وممثل المكوّن المسيحي في حركة بابليون، ربيع صوران، لمنصة "المشهد" إن بابليون لا يمكنها التفاوض مع أي كتلة قرارها مرهون بالأحزاب السياسية التي أوصلتها للبرلمان العراقي، وهذا ما يحدث مع كتلة صويانا التي تعجز عن اتخاذ أي قرار دون الرجوع للحزب الديمقراطي الكردستاني. مضيفاً: "ثلث أراضي سهل نينوى مُحتلة من قبل قوات الإقليم، وفي حركة بابليون سنسعى لإستعادة هذه الأراضي عبر تمثيلنا السياسي في البرلمان العراقي".
ويؤكد صوران، أن حركة بابليون لن تسمح بسلب الأراضي المسيحية في سهل نينوى كما حدث في دهوك وأربيل وعينكاوا دون وجه حق، ولم تتمكن أي شخصية من كتلة صويانا أن تطالب بهذه الأراضي، أما بابليون فستعمل لدعم القضية المسيحية في العراق عبر تمثيلها السياسي في البرلمان العراقي ووفقاً للقانون والدستور العراقي.
وفي المقابل، يقول عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني صبحي مندلاوي لمنصة "المشهد" إن هنالك أطراف لها تحالفات مع بابليون ترغب بتمكينها في البرلمان العراقي عبر ترشيح شخصيات مقربة من ريان الكلداني، لكن نؤكد أنهم لن ينجحوا بذلك.
وبحسب مندلاوي، الحزب الديمقراطي الكردستاني لا يسيطر على قرارات أي كتلة سياسية، بل على العكس يسعى ويدافع عن حقوق المكونات العراقية خصوصاً الأقليات، وكتلة صويانا من حقها أن تتولى وزارة الهجرة والمهجرين المخصصة للمكوّن المسيحي، وسندعم ترشيحهم لهذا المنصب.
وحول تصوير حقيبة وزارة الهجرة والمهجرين كصراع سياسي بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والحشد الشعبي، يجيب عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني محمد زنكنة: نفوذ بابليون يمتد إلى مساحات شاسعة من سهل نينوى بفعل الميليشيات، وهو ليس نفوذهم الحقيقي، بل هم عبارة أدوات تابعة للفصائل المسلحة المرتبطة في إيران بالمنطقة.
ويؤكد زنكنة، أن الديمقراطي لا يسعى للنفوذ بل أثبت أنه الحزب الوحيد الذي حقق أعلى الأصوات من دون أن يتحالف مع حزب آخر أو ينضم إلى كتلة أخرى، هذا ما يقلق الميليشات التي تريد أن تسيطر على كل خيرات نينوى، خصوصاً أن بابليون ساهموا في تهريب المخدرات في المناطق الحدودية المتاخمة لسوريا والقريبة من إيران، وكُشفت حولهم الكثير من الأدلة حول تهريب آثار يعود عمرها لأكثر من 6 آلاف سنة.
وهذا ما يدفعهم، بحسب زنكنة، لتصوير الموضوع على أنه صراع على النفوذ، وإن كان صراعاً حقيقياً فهم من يدير كفة هذا الصراع، أما الديمقراطي فألغى انتخابات كاملة لبرلمان إقليم كردستان بسبب حرمان المكونات الدينية والقومية من مقاعدها.
من يسيطر على سهل نينوى؟
وشهدت مناطق سهل نينوى موجات متتالية من هجرة المسيحيين، كان أشدها في العام 2014 عند اجتياح تنظيم "داعش" للمنطقة، وبعد تحرير المنطقة في العام 2017 باتت قضية التمثيل السياسي والأمني للمسيحيين في سهل نينوى محوراً أساسياً للجدل الدائر داخل المجتمع المسيحي.
ويقول رئيس الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان في إقليم كردستان والسكرتير السابق للمجلس القومي الكلداني ضياء بطرس صليوا، إن عدد العائلات المسيحية التي نزحت من سهل نينوى منذ يونيو 2014 بلغت 125 ألف عائلة، نزحت من بلدات قرقوش، برطلة، بعشيقة، باطناية، تلكيف، وتللسقوف، إضافة إلى العائلات التي نزحت من داخل مدينة الموصل.
وعن الأوضاع الأمنية في سهل نينوى، يؤكد صليوا: "قوات الحشد الشعبي بعد أن شاركت في تحرير سهل نينوى استقرت فيها، ونتيجة الصراعات السياسية بين حكومة إقليم كردستان والحكومة المركزية في بغداد انقسمت مناطق سهل نينوى بين البيشمركة والحشد الشعبي".
وعلى الرغم أن المناطق المسيحية في الموصل، تعود سياسياً لإقليم كردستان، إلا أن بلدات تللسقوف والقوش بقيت تحت إدارة الإقليم، وبطناية وتلكيف وسهل نينوى الجنوبي تحت إدارة هيئة الحشد الشعبي وتنتشر فيها نقاط تفتيش تابعة لها، يقول صليوا.
ويضرب مثالا: "على سبيل المثال، عائلة من باطنية تريد أن تزور عائلة من تللسقوف، المسافة بين البلدتين لا تتجاوز 3 كيلومترات، لكن لا يسُمح لها بالمرور نتيجة اختلاف السيطرات (نقاط التفتيش)، لا بد للعائلة أن تذهب إلى الموصل وتسلك طريق شيخان ومنها إلى تللسقوف. هذه الإجراءات المعقدة منعت العائلات من العودة.
ويؤكد صليوا: "رفعنا عدة تقارير تؤكد أن قوات الحشد الشعبي أكملت مهمتها، من المفترض بعد غياب المخاطر الأمنية والعسكرية أن تنسحب وتدخل الشرطة، لا فائدة من تواجد العسكر في مراكز المدن، لكن لم تصلنا أي استجابة"، مضيفاً: "انخفضت اعداد المسيحيين من مليون ونصف المليون مسيحي في العام 2014 إلى 300 ألف مسيحي فقط في جميع أرجاء البلاد".



