في سهل البقيعة الذي يُعتبر أحد أهم النظم البيئية الزراعية في الأغوار الشمالية، والحقول الخضراء تمتد فيه حتى الأفق، يقف المزارع خليل التركمان على أطراف أرضه، ويراقب الجرافات الإسرائيلية وهي تحفر الطريق العسكري على مرمى أمتار من حقله.
بصوت يخنقه الأسى، يقول لمنصة "المشهد": "هذا الطريق لن يكون مجرد شارع، بل بداية جدار يعزلنا عن أراضينا ويخرجنا منها عنوةً، هذا ضم وسطو علني واختلاس لأرضنا ومقدراتنا وثروتنا المائية"، مؤكدا، "نتلمس تصاعدا في عمليات التجريف ومنع الوصول للأراضي، وتضييقا مستمرا على الرعاة وأصحاب المواشي، هذه بداية النهاية رغم إصرارانا على الثبات والبقاء".
سلة غذاء الفلسطينيين
تحت سماء الأغوار "سلة الغذاء الفلسطينية"، التي تزود السوق المحلي بـ60% من الخضار والفواكه، وتترامي حقولها الخضراء على مد البصر، تحفر الآليات الإسرائيلية طريقا عسكريا في عمق السهل الزراعي الأخصب بالضفة الغربية، في تنفيذ متصاعد لمشروع "الخيط القرمزي" الذي يهدف إلى عزل الأغوار الشمالية عن محيطها الفلسطيني، وإعادة تشكيل خريطتها تمهيدا لضمها إلى السلطات الإسرائيلية، في خطوة توصف بأنها الأخطر منذ عقود، وتخط حدودا جديدة لا تعترف بجغرافيا الفلسطينيين ولا بتاريخهم.
وبينما تواصل الجرافات الإسرائيلية زحفها اليومي بلا هوادة، والغبار يلف المنطقة ككفن رمادي، تجولت منصة "المشهد" في منطقة الأغوار الشمالية، ورصدت حجم الكارثة التي تتهدد آلاف الدونمات الزراعية، وأحوال مئات العائلات التي تعتمد على الزراعة والرعي كمصدر للعيش، تبدو الأغوار الفلسطينية، التي كانت رمزا للخير والعطاء، على وشك أن تُطوى من قاموس الأمن الغذائي الفلسطيني، لتحل محلها خرائط الضم والاستيطان الإسرائيلية.
مشروع الخيط القرمزي
وفي هذا الصدد، كشف الناشط الميداني في منطقة الأغوار، عارف ضراغمة لمنصة "المشهد"، صورة قاتمة للمخطط الذي سيغير ملامح المنطقة، قائلا إنّ "الخيط القرمزي، ليس مجرد شق طريق عسكري، بل هو مشروع استيطاني ضخم يهدف إلى إعادة هندسة المشهد الديموغرافي والجغرافي في الأغوار، عبر 4 مسارات متداخلة تشكّل مجتمعة تهديدا وجوديا للفلسطينيين في المنطقة".
وأضاف ضراغمة أن:
- المسار الأول، هو تجريف الأمن الغذائي وتدمير سلة الغذاء الفلسطينية، فالمخطط يمر في قلب الأراضي الزراعية الأكثر خصوبة في الضفة الغربية.
- المسار الثاني فهو التهجير القسري وطرد السكان الفلسطينيين من بيوتهم.
- المسار الثالث، هو عزل التجمعات وتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، مع تنفيذ مقاطع جديدة من الجدار الفاصل في عمق الأغوار الشمالية، ستتحول عشرات التجمعات الفلسطينية إلى جزر معزولة ومقطعة الأوصال.
- المسار الرابع هو مشروع ضم ينسجم مع خرائط استيطانية حتى 2050، فالخيط القرمزي يتجاوز البعد الأمني المعلن، ليشكل حلقة في سلسلة مخططات استيطانية ممنهجة تهدف إلى تفريغ الأغوار من سكانها الفلسطينيين وضمها إلى السلطات الإسرائيلية.
ويبين ضراغمة خلال حديثه "للمشهد"، أنّ مشروع الخيط القرمزي الاستيطاني، "سيقضي على الوجود الفلسطيني برمته في هذه المنطقة الشاسعة والمهمة، وسيلغي سلة الغذاء الفلسطينية، حيث إنّ الأغوار الشمالية تضم الحوض المائي الشرقي، ثاني أكبر مصدر للمياه في الضفة الغربية".
وأكد أن "المساعي الإسرائيلية لعزلها ستحرم الفلسطينيين من جميع مواردهم المائية، يضاف إلى كل ذلك ، أنه لا يمكن أن تكون هناك دولة فلسطينية بدون الأغوار، وهذا المشروع سيجعل الدولة الموعودة بلا حدود، بلا ماء، وبلا سلة غذاء".
شهادات من تحت نيران الاستيطان
ويضيف صوت آخر من المنطقة، على بعد أمتار قليلة من المزارع التركمان، حكاية أخرى، يروي ناظم بشارات "للمشهد"، وهو يتجرع الألم والمرارة نفسيهما، ويحذر من عواقب كارثية لهذا المشروع الاستيطاني الخطير بحسب وصفه.
ويقول بشارات: "فقدان الأرض، وارتفاع البطالة، وتدمير مصادر رزق مئات العائلات الفلسطينية، هذا ما سيقود إليه المخطط الإسرائيلي" مضيفا أنّ "الخسائر كبيرة بفعل انتهاكات المستوطنين الإسرائيليين، وتضييق القوات الإسرائيلية على المزارعين والأهالي هناك، فمصادرة الأراضي والحقول تتم بالجملة، ناهيك عن تدمير مصادر المياه، وتجريف المحاصيل، وتضييق الخناق على العمل والحركة، وقتل الثروة الحيوانية".
يتوقف بنا المشهد عند خربة "يرزا" كشاهد حي على سياسة الضم والاستيطان الزاحف، الواقعة في قلب الأغوار الشمالية، يقطع الخيط القرمزي شرايين سكانها وثرواتها ويحاصرها الجدار من جهاتها الـ4.
ويحدّث غانم عينابوسي منصة "المشهد" جزءا يسيرا من معاناة الأهالي اليومية: "نعيش تحت وطأة مصادرة الأراضي وتجريفها وإقامة الجدار العازل، فالقوات الإسرائيلية تقيّد وصولنا إلى المراعي والحقول، ودمرت كل شبكات المياه، بهدف تهجيرنا من المنطقة، وتجهيز الأرض لصالح المشروع الإستيطاني، واقعنا مأساوي ولا يطاق بفعل الإنتهاكات بحقنا، خصوصا اعتداءات المستوطنين".
تغيير خريطة وحدود الضفة الغربية
من جانبه، أوضح الخبير في شؤون الاستيطان حسن بريجية لمنصة "المشهد"، أنّ "مخطط الخيط القرمزي في الأغوار الشمالية، يصنف كأحد أخطر المشاريع الاستيطانية التي تنفذها السلطات الإسرائيلية منذ عقود، إذ يتجاوز كونه طريقا عسكريا إلى كونه أداةً مركزية في رسم حدود سياسية وجغرافية جديدة تحاكي رؤية الضمّ التدريجي، فهو يشمل جدارا عازلا، وخنادق، وسواتر ترابية، وسياجا أمنيا، فهو يعيد تعريف مفهوم المنطقة العازلة ليصبح أقرب إلى شريط فصلٍ إستراتيجي يفصل الأغوار عن باقي الضفة الغربية، ويقطع التواصل الجغرافي والاجتماعي والاقتصادي بين الفلسطينيين".
وأفاد الخبير بشؤون الاستيطان بريجية لـ"المشهد"، أنّ "المخطط الاستيطاني ترجمة عملية لسياسة الضم الزاحف، إذ يُحكم السيطرة على أكثر من 190 ألف دونم من الأراضي الزراعية والرعوية، ويُهدد بتهجير ما لا يقل عن مئات العائلات الفلسطينية، ليس عبر أوامر إخلاءٍ مباشرة فحسب، بل من خلال خلق واقع معيشي مستحيل يجعل البقاء فيه خيارا غير قابل للحياة أصلا".
وفي قراءة التداعيات، يخلص بريجية إلى أنّ الخيط القرمزي سيغير طبيعة الأغوار الشمالية إلى الأبد، "محولا إياها من منطقة زراعية حيوية تمثل سلة الغذاء الفلسطينية، إلى حزام استيطاني عسكري يخدم المشروع الاستيطاني التوسعي حتى عام 2050، بعد أن يتضمن طريقا عسكريا وجدارا فاصلا وخنادق وسواتر ترابية تعيد تعريف المنطقة العازلة، ليصبح شريط فصل إستراتيجي يقطع الأغوار عن باقي الضفة الغربية".






