hamburger
userProfile
scrollTop

exclusive
 تسريبات تكشف أزمة حكم في إيران.. صراع أجنحة أم رسائل المرشد؟

المشهد

تسريبات خامنئي تكشف انقسامًا داخل النظام الإيراني حول إدارة التفاوض (أ ف ب)
تسريبات خامنئي تكشف انقسامًا داخل النظام الإيراني حول إدارة التفاوض (أ ف ب)
verticalLine
fontSize
هايلايت
  • بعث النائب الإيراني المتشدد محمود نبويان بأزمة سياسية وقانونية داخل إيران.
  • تكشف الواقعة عن وجود تباينات داخل دوائر صنع القرار الإيراني بشأن إدارة المفاوضات.
  • مراقبون: التباينات تؤشر إلى صراع بين تيارات تدفع نحو مقاربة أمنية، وأخرى تفضّل الدبلوماسية.

تسبّب النائب الإيراني المتشدد محمود نبويان بأزمة سياسية وقانونية داخل إيران، بعدما كشف خلال مقابلة تلفزيونية، قبل أيام، عن مضامين ما وصفها بـ"مراسلات سرية" منسوبة إلى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، تتعلق بمسار المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن وشروط استمرارها.


ملاحقة قانونية

ويواجه نبويان نائب رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، مطالبات بالملاحقة القانونية إثر تصريحاته التي أدلى بها عبر التلفزيون الرسمي، والتي قال فيها، إنّ المرشد الإيراني وجّه رسائل اعترض فيها على مسار المفاوضات، معتبرًا أنّ الفريق المفاوض تجاوز حدود التفويض الممنوح له.

وبينما تم قطع بث المقابلة قبل انتهائها، ثم حذف التسجيل، لاحقًا، من أرشيف هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية، فإنّ متحدثًا باسم الفريق المفاوض رفض صحة ما أورده نبويان، ووصفه بـ"الانتقائي"، كما يستند إلى معلومات قديمة جرى تحريفها عن سياقها.

إلا أنّ الواقعة تكشف عن وجود تباينات داخل دوائر صنع القرار الإيراني بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة.

شروط المرشد

وبحسب ما نقله نبويان، فإنّ خامنئي وضع سلسلة من الشروط لمواصلة التفاوض مع واشنطن، من بينها الحفاظ على حق إيران في تخصيب اليورانيوم، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، والحصول على تعويضات، بالإضافة إلى تأكيد السيادة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز.

كما زعم أنّ المرشد شدد على ضرورة بقاء إدارة المضيق، الذي تمر من خلاله خُمس إمدادات الطاقة والغاز الطبيعي المسال عالميًا، في قبضة إيران حصرًا، مع فرض رسوم على السفن أثناء عبورها، واتخاذ إجراءات خاصة تجاه سفن الدول التي تصنفها طهران ضمن الدول المعادية.

وفي محاولة للدفاع عن تصريحاته، أكد نبويان لاحقًا، أنه لم يكشف وثائق سرية، بل عرض ما اعتبره حقائق يجب أن تكون معروفة للرأي العام، متسائلًا عن أسباب تجاهل بعض الشروط التي قال إنّ المرشد وضعها قبل انطلاق المفاوضات.

تباين بين "الحرس الثوري" والحكومة

وبحسب مراقبين تحدثوا لـ"المشهد"، فإنّ التناقضات المحيطة بالتصريحات المنسوبة للمرشد الإيراني، والتسريبات المتداولة بشأن مسار المفاوضات النووية، تعكس حالة من الغموض والانقسام داخل دوائر صنع القرار في طهران، فضلًا عن طبيعة الدور الذي تؤديه المؤسسات المختلفة، خصوصًا بين "الحرس الثوري" والحكومة.

وتقول المصادر ذاتها، إنّ غياب المرشد عن الظهور المباشر يضاعف من الشكوك بشأن الجهة التي تقف خلف بعض المواقف المعلنة باسمه، موضحين أنّ إبقاءه بعيدًا عن تفاصيل التفاوض، يبدو كآلية لتجنيب المؤسسة الحاكمة تبعات أيّ إخفاق محتمل وإلقاء المسؤولية على الحكومة، كما حدث خلال مفاوضات الاتفاق النووي السابقة.

بل إنّ هذه التباينات تؤشر إلى صراع محتدم بين تيارين أحدهما يدفع نحو مقاربة أمنية، وآخر يفضّل المسار الدبلوماسي، الأمر الذي يزيد من الالتباسات المحيطة بالمفاوضات النووية، ويجعل فرص التوصل إلى تفاهمات نهائية أكثر تعقيدًا في المرحلة الراهنة.

ما وراء التسريب

وفي حديثه لمنصة "المشهد" يقول المحلل السياسي الإيراني وجدان عبد الرحمن، إنّ تلك التناقضات المتداولة حول التصريحات المنسوبة للمرشد الإيراني، تعزز الروايات التي تتحدث عن عدم وضوح وضعه الصحي، كما تثير تساؤلات جدية حول الجهة التي تقف خلف بعض التسريبات أو التصريحات التي تُنشر باسمه، مضيفًا أنّ غياب الظهور العلني المباشر لخامنئي الابن، يفتح الباب أمام احتمال أن تكون بعض المواقف الصادرة باسمه تعكس توجهات دوائر مقربة منه، وفي مقدمتها "الحرس الثوري" أو مراكز القوى الأخرى داخل النظام.

وفي ما يخص المفاوضات الإيرانية الأميركية، يقول عبد الرحمن، إنّ المرشد الإيراني يدرك أكثر من أيّ طرف آخر، أنّ المواجهة العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ نهاية فبراير، كلّفت البلاد خسائر كبيرة على المستويات البشرية والعسكرية والاقتصادية، وأنّ جوهر الأزمة كان مرتبطًا بالملف النووي الإيراني.

وتابع: "المطالب الأميركية المتعلقة بإخراج مخزون اليورانيوم وتقليص أو تفكيك بعض المنشآت النووية كانت حاضرة منذ المراحل الأولى للمفاوضات وقبل اندلاع الحرب. بالتالي، فإنّ موافقة المرشد على مسار التفاوض، أو ما يُقال عن موافقته على بعض التفاهمات المطروحة، تتعارض مع التصريحات التي تؤكد رفض أيّ اتفاق لا يضمن استمرار تخصيب اليورانيوم داخل الأراضي الإيرانية". 

من ثم، فهذا التناقض يطرح احتمالين:

  • أولهما وجود خلاف حقيقي داخل مراكز صنع القرار في إيران.
  • وثانيهما سعي أطراف مختلفة إلى توظيف اسم المرشد لتسويق مواقفها الخاصة.

تيار "الميدان" و"الدبلوماسية"

ويبدو أنّ الانقسام القائم يعكس صراعًا بين ما يُعرف بــ"تيار الميدان"، الذي يمثله "الحرس الثوري" والمؤسسات الأمنية، من جهة، وبين "تيار الدبلوماسية" المتمثل بالحكومة ووزارة الخارجية وبعض المؤسسات السياسية، بما فيها البرلمان، وفق عبد الرحمن.

لذلك؛ فإنّ تضارب الرسائل الصادرة من طهران، لا يمكن فصله عن التنافس بين هذه الأطراف لجهة توجيه مسار السياسة الإيرانية في مرحلة حساسة.

وفي ظل استمرار غياب أو تغييب المرشد عن الظهور المباشر، حتى من خلال رسالة صوتية أو خطاب مصور، تبقى الشكوك قائمة حول مدى دقة التصريحات المنسوبة إليه أو بالأحرى الخفي وراء تمريرها، على حد توصيف المصدر ذاته. كما أنّ هذا الغياب يفاقم حالة الغموض وعدم الشفافية، سواء لدى الشارع الإيراني أو لدى المجتمع الدولي، ويُسهم في زيادة الارتباك بشأن حقيقة الموقف الرسمي الإيراني من القضايا المصيرية المطروحة حاليًا.

فشل المفاوضات

إلا أنّ هذا التناقض، من جهة أخرى، يؤشر إلى محاولة إبراز المرشد الإيراني بموقع المراقب أو البعيد عن تفاصيل التفاوض، وذلك بما يهدف إلى توفير "مظلة سياسية" للنظام في حال فشل المساعي الجارية، وفق ما يشير مدير مركز الدراسات في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية "رصانة" أحمد الميموني، وعليه، تتحمل الحكومة وحدها كلفة الإخفاق.

كما أشار مدير مركز الدراسات في المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، إلى أنّ هذا النهج له سوابق، بينما تكرر خلال مفاوضات الاتفاق النووي في عهد الرئيس الإصلاحي الأسبق حسن روحاني، عندما وُجهت الانتقادات، لاحقًا، إلى الحكومة والإصلاحيين، رغم أنّ المفاوضات كانت تحظى بموافقة ضمنية من المرشد الإيراني.

إدارة المشهد

يتفق والرأي ذاته الدبلوماسي السعودي والمستشار السابق بوزارة الخارجية السعودية سالم بن عسكر اليامي، والذي يرى أنّ السجال القائم داخل إيران بشأن الملفات النووية والسياسية، يندرج ضمن أدوات إدارة المشهد الداخلي، موضحًا لـ"المشهد" أنّ الخطاب الرسمي الإيراني غالبًا ما يتبنى "نبرة المنتصر في مواجهة الخصوم، وذلك بهدف تعزيز التماسك الداخلي وإظهار القيادة بموقع القوة".

وأشار إلى أنّ الحديث الإيراني عن مواصلة التخصيب قد يكون مقتصرًا على المستويات المسموح بها دوليًا، لافتًا إلى أنّ المجتمع الدولي لن يتقبل أيّ مسار يتجاوز تلك الحدود.

وأضاف أنّ حساسية الملف تتزايد في ظل طبيعة النظام الإيراني والدور المحوري الذي يؤديه "الحرس الثوري" في إدارة ملفات الأمن والسياسة الإستراتيجية.

الرؤية الأميركية

إلى ذلك، ألمح الباحث الإماراتي المختص في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية محمد خلفان الصوافي، إلى أنّ مثل هذه الحوادث ليست جديدة أو طارئة على النظام الإيراني، إلا أنها تمثل أول اختبار سياسي بارز يواجه المرشد الجديد، ما يجعل طريقة تعامل القيادة معها موضع متابعة وترقب.

وأضاف الصوافي لـ"المشهد"، أنّ تداعيات هذه التسريبات قد تعكس عودة الخلافات والتباينات السياسية إلى الواجهة داخل دوائر صنع القرار الإيرانية، معتبرًا أنّ هذا المشهد يتقاطع مع الرؤية الأميركية التي تلحّ على ضرورة إحداث تغييرات من داخل بنية النظام، بعد أن أخفقت سياسة الضغوط القصوى والحرب في تحقيق ذلك بصورة مباشرة.

انقسام حقيقي

وقال خلفان الصوافي، إنّ المعلومات المتداولة ضمن ما تم تسريبه، توحي بوجود انقسام حقيقي وبنيوي داخل المؤسسة السياسية الإيرانية بشأن مسار التفاوض، خصوصًا في ما يتعلق بالبرنامج النووي الذي يشكل أحد أبرز مرتكزات الشرعية السياسية للنظام الإيراني.

وختم حديثه قائلًا، إنّ هذه التسريبات من شأنها أن تزيد من حالة الشكوك والغموض المحيطين بالمفاوضات الجارية، خصوصًا المرتبطة بالبنود المطروحة للنقاش، ما قد يعقّد فرص التوصل إلى تفاهمات نهائية حول الملفات الخلافية، وفي مقدمتها الملف النووي، ويجعل الوصول إلى اتفاق شامل ومستدام أكثر صعوبة.