كيف ساعدت الصين إيران على امتصاص صدمة العقوبات وتمويل آلة حربها؟ على مدى السنوات الـ5 الماضية، وفّرت الصين لإيران شريانا ماليا حيويا من خلال شراء معظم نفطها.
وخلال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأولى، أطلقت الولايات المتحدة حملة "الضغط الأقصى" لقطع النفط الإيراني من السوق العالمية والقضاء على أكبر مصدر لإيرادات طهران. أما اليوم، فتبيع إيران نفطا بمليارات الدولارات شهريا بفضل الصين، وفق تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال".
فقد زاد الشريك الآسيوي لطهران بشكل كبير من كميات النفط الإيراني التي يشتريها مع تشديد العقوبات. وهو الآن يشتري تقريبا كل ما تنتجه إيران، مقارنة بنحو 30% فقط قبل عقد من الزمن.
طرق ملتوية
ولجعل هذه المشتريات ممكنة، عمل المشترون الصينيون بشكل وثيق مع إيران لتوسيع ما يقول مسؤولون وباحثون أميركيون إنه أصبح أحد أكبر شبكات الالتفاف على العقوبات في العالم.
تُحوَّل المدفوعات عبر بنوك صينية صغيرة ذات نشاط عالمي محدود، ما يجعلها أقل عرضة للخسائر في حال تعرضت لعقوبات أميركية، وبالتالي يصعب إيقافها. كما تساعد شركات واجهة أنشأتها إيران في هونغ كونغ وأماكن أخرى في إدارة العائدات.
وأصبحت المصافي الصينية الخاصة، المعروفة باسم "أباريق الشاي"، المشترين الرئيسيين للنفط الإيراني، بعد أن انسحبت شركات الطاقة الحكومية الكبرى خشية إغضاب واشنطن. كما ساعدت الفواتير المزيفة وإعادة تصنيف النفط في إخفاء التجارة.
كل هذه الإجراءات، التي وردت في وثائق عقوبات أميركية ولوائح اتهام عامة، ووصفها مسؤولون وباحثون غربيون سمحت لإيران بجني عشرات المليارات من الدولارات سنويًا من الصين، ثم غسل هذه الأموال لاستخدامها حول العالم.
وقال ماكس ميزليش من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن: "الصين هي الشريك الرئيسي لإيران في الالتفاف على العقوبات.. لم تكن إيران لتتمكن من خوض هذه الحرب لولا سنوات الدعم التي تلقتها من الصين".
من جانبها، قالت وزارة الخارجية الصينية في رد مكتوب إنها تعارض بشدة "العقوبات الأحادية غير القانونية وغير المعقولة"، مشيرة إلى أنها ستتخذ ما تراه ضروريًا لحماية أمنها الطاقي. ومع ذلك، تحرص بكين خلف الكواليس على عدم الظهور بمظهر منتهك صريح للعقوبات، لتجنب إثارة غضب واشنطن أو الإضرار بعلاقاتها مع دول الخليج.
ورغم ذلك، استمرت الصين بخلاف دول أخرى في شراء النفط الإيراني، مدفوعة بحاجتها للطاقة وإمكانية الحصول عليه بأسعار مخفّضة بعد عزوف المشترين الآخرين بسبب العقوبات.
شبكة التفاف معقدة
حاولت الولايات المتحدة كبح هذه التجارة عبر توجيه اتهامات لبعض الأفراد وتوسيع العقوبات، لكنها واجهت قيودا بسبب مخاوف من ارتفاع أسعار النفط عالميا أو توتر العلاقات مع الصين.
واستمرت هذه الشبكة في العمل حتى بعد اندلاع الحرب الإيرانية، رغم إغلاق طهران فعليا لمضيق هرمز أمام الشحنات الغربية، بينما واصلت ناقلاتها التوجه نحو الموانئ الصينية.
ورغم أن الجمارك الصينية لم تسجل رسميا أي واردات نفطية من إيران منذ 2023، تشير تقديرات شركة "كبلر" إلى أن الصين اشترت نحو 1.4 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني في عام 2025.
ويمثل ذلك أكثر من 80% من صادرات إيران النفطية، وأكثر من ضعف الكميات التي اشترتها الصين في 2017 قبل حملة "الضغط الأقصى".
من العقوبات إلى "أسطول الظل"
في السابق، كانت شركات النفط الصينية الحكومية تشتري النفط الإيراني علنًا، لكن ذلك تغير بعد تشديد العقوبات الأميركية.
فقد انهارت صادرات إيران من نحو 2.8 مليون برميل يوميًا في 2018 إلى نحو 200 ألف برميل فقط في 2019، قبل أن تعود للارتفاع بدعم صيني.
وسرعان ما طورت طهران، بدعم من بكين، شبكة سرية لبيع النفط، شملت إنشاء شركات مثل "Sahara Thunder" و"Sepehr Energy"، وإصدار فواتير مزيفة تزعم أن النفط من دول أخرى مثل عُمان أو ماليزيا.
كما توسع استخدام ما يُعرف بـ"أسطول الظل" من ناقلات النفط، حيث يتم تغيير أسماء السفن، وإطفاء أجهزة التتبع، ونقل النفط بين السفن في عرض البحر لإخفاء مصدره.
ووفقا لمنظمة C4ADS، تضم إحدى هذه الشبكات ما لا يقل عن 56 ناقلة نقلت أكثر من 400 مليون برميل من النفط الخاضع للعقوبات.
دور المصافي الصغيرة والبنوك
داخل الصين، تولت المصافي الخاصة الصغيرة شراء النفط الإيراني، مستفيدة من تعاملها باليوان بدل الدولار، ما يقلل تعرضها للعقوبات.
كما رفعت الصين تدريجيا حصص استيراد النفط لهذه المصافي، من 140 مليون طن في 2018 إلى 257 مليون طن هذا العام.
أما المدفوعات، فتمت عبر بنوك صغيرة مثل "بنك كونلون"، الذي أصبح قناة رئيسية لتمويل التجارة مع إيران رغم خضوعه لعقوبات أميركية منذ 2012.
وأظهرت بيانات مالية أن جزءا كبيرا من عائدات النفط الإيراني أُودع في هذا البنك حتى عام 2022.
صفقات معقدة ومقايضة
تكشف لوائح اتهام أميركية عن تفاصيل أعمق، حيث تعامل بعض المشترين الصينيين مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني عبر شركات واجهة، لإبرام صفقات نفط بملايين الدولارات.
وفي إحدى الحالات، تم استخدام سفن بأسماء مزيفة وإشارات مضللة لنقل النفط الإيراني إلى الصين دون كشف مصدره، بحسب الصحيفة.
كما استخدمت شركات واجهة في هونغ كونغ لتحويل الأموال من اليوان إلى عملات أجنبية تحتاجها إيران.
وفي بعض الحالات، لم تُدفع الأموال نقدا، بل عبر نظام مقايضة، حيث تقوم شركات صينية ببناء بنية تحتية في إيران مقابل النفط، بقيمة وصلت إلى 8.4 مليارات دولار في 2024.