قال الأكاديمي والباحث السياسي السوري الدكتور أحمد جاسم الحسين إنّ القيادة السورية الجديدة تمضي في مسار تدريجي لبناء دولة حديثة، مشيراً إلى أن دمشق بدأت تكشف عن مجموعة من الإستراتيجيات التي تقوم على تثبيت الأمن الداخلي، والانفتاح على العالم، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، بعيداً عن التحالفات التقليدية.
وأوضح الحسين، في حديث لبرنامج "في الواجهة" الذي تقدمه الإعلامية جمانة النونو، على قناة ومنصة "المشهد"، أن الشرع في مشروعه لبناء سوريا الجديدة، "لا يعتمد على الأيديولوجيا"، انطلاقاً من أن تحسين الوضع الاقتصادي للسوريين يمثل أساساً لاستقرار البلاد، إلى جانب الانفتاح على الجميع وعدم الدخول في تحالفات محددة.
التنوع والتعدد
وأشار الحسين إلى أن مصلحة البلاد والظروف الدولية أصبحت، بحسب رؤيته، "البوصلة الجديدة لسوريا"، لافتا إلى أن التأكيدات الصادرة عن الرئيس الشرع بشأن سوريا باعتبارها دولة قائمة على التنوع والتعدد تشير إلى أن مشروع بناء الدولة الجديدة يقوم على "التعدد، والتنوع، وثقافة القانون، مرحلة إثر مرحلة، والاعتماد على السوريين في إعادة الإعمار، والتشبيك العالمي".
وفي ملف السلاح وبناء الجيش، تحدث الحسين عن دمج الفصائل المسلحة في البلاد داخل إطار المؤسسات الرسمية في الدولة، مبينا أن السلاح في سوريا ينقسم حالياً إلى نوعين"
- الأول هو السلاح الذي كان بحوزة الفصائل، وقد جرى تسليم الجزء الأكبر منه إلى وزارة الدفاع.
- والثاني هو السلاح الفردي المنتشر بين المدنيين، والذي وصفه بأنه يمثل مشكلة نتيجة الظروف الأمنية التي عاشتها البلاد خلال السنوات الماضية.
وأشار إلى أن قوات سوريا الديمقراطية "قسد" باتت على أهبة تسليم سلاحها بالكامل، فيما جرى تسليم جزء من سلاحها إلى التحالف الدولي، كما تم تسليم أو مصادرة جزء من الأسلحة التي كانت بحوزة فلول النظام السابق، مع الإقرار بوجود أسلحة لم تُكشف بعد.
ملفات مؤجلة
وبشأن الوضع في السويداء وجنوب سوريا، قال الحسين إن الملف "مؤجل قليلاً"، لكنه أشار إلى أن الفصائل التي دخلت في الجيش السوري أصبحت، في نظره، جزءاً من الماضي، بالتزامن مع إنشاء الكليات العسكرية وتخريج جنود تلقوا تدريبات جديدة.
وأكد الحسين أن التحول لا يخلو من أخطاء أو من أشخاص يجدون صعوبة في الانتقال من عقلية الفصيل إلى عقلية المؤسسة، معتبراً أن وزارة الدفاع ووزارة الداخلية تتجهان تدريجياً نحو مزيد من الاحترافية في التعامل مع المواطنين وممارسة السلطة.
وفي ما يتعلق بالضباط المنشقين عن النظام السابق، أشار الحسين إلى أن عدداً كبيراً منهم أصبحوا ضباطاً عاملين في وزارة الدفاع، ويشاركون في التدريب ويقدمون آراء استشارية للوزارة، معتبراً أن الاستفادة من خبراتهم تمثل خطوة إضافية في بناء المؤسسة العسكرية الجديدة.
أما ملف السويداء، فقال الحسين إن الحكومة السورية تسعى إلى إيجاد حل عبر خارطة الطريق التي وُقعت في العاصمة الأردنية بحضور الولايات المتحدة والأردن ودول أخرى، وأودعت كوثيقة لدى الأمم المتحدة.
وقال الحسين إن هناك أيضاً تواصلاً مع المجلس المدني في مدينة السويداء، لكنه أشار إلى أن الهجري أعلن ارتباطه بالملف الإسرائيلي وسعيه إلى إقامة إقليم، بحسب تعبيره.
ورأى الحسين أن حل أزمة السويداء قد يكون مرتبطاً بالتوصل إلى اتفاق أمني بين سوريا وإسرائيل، قائلاً: "لا أتصور أن اتفاقاً سيحصل أو ستحل مشكلة السويداء قبل الاتفاق الأمني بين سوريا وإسرائيل"، معتبراً أن إسرائيل تستخدم الملف كورقة ضغط.
ملف إسرائيل
وفي ملف الحدود، قال الحسين إن تفكيك شبكات التهريب وإنهاء نفوذ الميليشيات على الحدود مع لبنان والعراق يمثلان تحدياً كبيراً أمام الدولة السورية الجديدة، مشيراً إلى أن حرس الحدود السوريين يتبعون لوزارة الدفاع ويتلقون أوامرهم منها.
وأشار إلى وجود مساعٍ محلية وعربية وإقليمية لضبط الحدود، بحيث تصبح المرجعية في الجانبين للدولتين اللبنانية والعراقية، لكنه شدد على أن شبكات التهريب "موجودة تاريخياً ولا يمكن أن تنتهي في يوم وليلة".
وعلى صعيد آخر، اعتبر الحسين أن التحركات الإسرائيلية تمثل أحد أبرز التحديات أمام تعافي سوريا، مشيراً إلى استمرار الغارات والتوغلات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية.
وقال إن إسرائيل نفذت، وفق الإحصاءات التي أشار إليها، نحو 400 طلعة جوية، فيما تجاوز عدد التوغلات البرية 900 توغل، معتبراً أن استمرار هذه التحركات يهدد سيادة الدولة السورية.
وأكد أن "الشعب السوري لن يقبل أن يكون كيانه أو أن تكون سيادته مهددة"، مشيراً إلى أن دمشق تريد العودة إلى اتفاقية فض الاشتباك الموقعة عام 1974، باعتبارها الإطار الذي يمكن أن ينظم الوضع الأمني بين البلدين.
وأضاف أن إسرائيل ترفض هذا الطرح وتطرح ذرائع متعددة، من بينها الوجود أو التدخل التركي وعدم الثقة بالنظام السوري الجديد.



