تشهد مياه البحر المتوسط تصاعدًا في حدة الاحتكاك بين السفن التركية والإسرائيلية، بالتزامن مع تعزيز أنقرة قدراتها وانتشارها البحري، إلى جانب تطوير سفن قادرة على تشغيل طائرات مسيّرة من البحر.
وفي المقابل، رفعت إسرائيل مستوى التأهب تحسبًا لاحتمال تحول هذه الاحتكاكات إلى مواجهة مباشرة، بالتوازي مع تعزيز تعاونها العسكري مع اليونان وقبرص، وتوقيعها صفقة دفاع جوي مع أثينا تتجاوز قيمتها 3 مليارات يورو.
ويعكس هذا التصعيد تشكل اصطفاف عسكري جديد في شرق المتوسط، وسط تنافس متزايد على النفوذ والردع.
تحذيرات متبادلة
قال مدير أكاديمية الفكر للدراسات الاستراتيجية، الدكتور باكير أتجان، من إسطنبول، إنه يعتقد أن ما حدث "لم يكن ليؤدي إلى شرارة مواجهة بحرية بين الطرفين"، مشيرًا إلى أن "إسرائيل لو حاولت أن تضرب تركيا، فمن المنطقي ألا يكون الرد بهذه السرعة، إذ لديها حساباتها الخاصة، ويكون الرد ضمن الحساب والمنطق والمعقول".
وأضاف أن ما جرى يمثل "تحذيرًا من طرف تركيا"، وقد يتكرر في مرات قادمة إذا وقع الأمر نفسه، سواء في البحر أو الجو أو البر، أو داخل المناطق التابعة لتركيا أو إسرائيل.
وأوضح أتجان أن "تركيا ليست من الدول التي تريد الحرب بهذه السرعة"، مؤكدًا أن إعلان الحرب يحتاج إلى "حجج منطقية"، وأنه في حال تكررت الاحتكاكات بين الطرفين، "سيأتي الرد بقوة وبدون توقف".
وتابع أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عرض في الأمم المتحدة خرائط قال إنها تمثل "أرض الميعاد"، مشيرًا إلى أنها تشمل، بحسب ما عرضه، مناطق من تركيا وسوريا ولبنان والعراق والسعودية والأردن ومصر وفلسطين والضفة الغربية وغزة، إضافة إلى معظم الدول العربية والإسلامية.
وأشار إلى أن ما يطرحه المسؤولون الإسرائيليون بشأن "النظام العالمي الجديد" يتطابق، برأيه، مع مساعي إسرائيل الحالية نحو التوسع، معتبرًا أن التهديدات الصادرة عن نتانياهو ومسؤولين إسرائيليين باتت معروفة، وأن تركيا لا تأخذها بجدية، مضيفًا أن ما حدث مؤخرًا يمثل "تحذيرًا" لإسرائيل.
علامات استفهام
من جانبه، قال أحد كبار الباحثين في معهد البحوث الأمنية والقومية، يوحنان تسوريف، إن ما يحدث يجب النظر إليه باعتباره نوعًا من "الغطرسة التركية" التي ظهرت خلال العامين الماضيين، خصوصًا منذ إسقاط نظام بشار الأسد.
وأوضح أن هناك شعورًا في تركيا بوجود تنافس بينها وبين إسرائيل على السيطرة في سوريا، معتبرًا أن هذا لا يتطابق مع الواقع، لأن إسرائيل، بحسب قوله، "ليست لها أي طموحات في سوريا ولا توجد لها أي طموحات في أي مناطق أخرى"، وأن هدفها هو الحفاظ على أمنها.
وأضاف أن تركيا تتحدث باستمرار عن طموحاتها لتعزيز نفوذها في المنطقة والوصول إلى مناطق مختلفة في الشرق الأوسط، معتبرًا أن الرسائل الصادرة عن المسؤولين الأتراك، وخصوصًا الرئيس التركي خلال السنوات الأخيرة، تهدف إلى إظهار أن تركيا هي القوة الكبرى في هذه المنطقة.
وتابع تسوريف أن إسرائيل "هي القوة الموجودة هنا"، وأن هناك، في المقابل، "علامة استفهام" لدى النظام التركي بشأن حق إسرائيل في الوجود في المنطقة.
وأشار إلى أن التصريحات الخطيرة من الجانب التركي تكررت بين الحين والآخر، لكن الأمر في الفترة الأخيرة لم يعد يقتصر على التصريحات، بل بات يشهد "شبه حوادث عسكرية".
وعن الحادث الأخير في البحر، تساءل تسوريف عما إذا كانت إسرائيل قد مارست ضبط النفس، واختارت عدم الرد.



