hamburger
userProfile
scrollTop

احتجاجات القمح في سوريا.. تقرير يكشف عن أول اختبار للدولة الجديدة

ترجمات

سعر شراء القمح سيتحول إلى اختبار لطبيعة العلاقة التي ستربط الدولة السورية الجديدة بالريف (إكس)
سعر شراء القمح سيتحول إلى اختبار لطبيعة العلاقة التي ستربط الدولة السورية الجديدة بالريف (إكس)
verticalLine
fontSize

لم يكن التراجع السريع الذي أبدته الحكومة السورية أمام احتجاجات مزارعي القمح مجرد استجابة مطلبية عابرة، بل بدا، وفق تقرير نشره موقع "المونيتور"، مؤشرا مبكرا إلى واحدة من أولى المعارك السياسية والاقتصادية التي تتشكل في مرحلة إعادة الإعمار.

فالصراع الذي بدأ على سعر شراء القمح سرعان ما تحوّل إلى اختبار لطبيعة العلاقة التي ستربط الدولة السورية الجديدة بالريف، وللنموذج الاقتصادي الذي ستعتمده في إدارة ملفات الدعم والغذاء والزراعة.

احتجاجات وتراجع سريع

في 15 مايو، أعلنت وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أنها ستشتري محصول القمح لهذا العام بسعر يقارب 330 دولاراً للطن.

لكن القرار أثار غضباً واسعاً بين المزارعين في مناطق الحزام الزراعي، من الرقة والحسكة في شمال شرق البلاد إلى ريف حماة، حيث خرج آلاف المحتجين اعتراضاً على السعر، معتبرين أنه لا يواكب الارتفاع الكبير في تكاليف الوقود والأسمدة والبذور.

وبعد أسبوع واحد فقط من التظاهرات، وافق الرئيس أحمد الشرع على إضافة حافز يقارب 70 دولارا للطن، في خطوة لبّت المطلب المباشر للمزارعين، لكنها فتحت في الوقت نفسه أسئلة أوسع حول مستقبل دور الدولة في دعم الزراعة وتأمين الخبز، وحول ما إذا كانت سوريا تتجه إلى الإبقاء على النموذج القديم أم إلى اعتماد نموذج مختلف في مرحلة ما بعد الحرب.

أداة نفوذ في الريف

ويشير "المونيتور" إلى أن سياسة القمح شكّلت على مدى أكثر من نصف قرن إحدى الأدوات الأساسية التي استخدمتها الدولة السورية لترسيخ نفوذها في الأرياف.

فقد دعمت الحكومة الوقود والأسمدة والبذور، ووسعت نطاق الائتمان الزراعي، واحتكرت شراء القمح عبر تحديد الأسعار وتنظيم الواردات والصادرات وتشغيل المطاحن والمخابز الحكومية.

ولم يقتصر دور الدولة على شراء المحصول، بل امتد إلى مختلف حلقات السلسلة تقريبا، من الزراعة والتخزين والطحن إلى توزيع الخبز واستهلاكه.

وبذلك لم يكن القمح مجرد محصول إستراتيجي، بل جزءا من العقد الاجتماعي الذي ربط الدولة بالريف من جهة، وبالفقراء في المدن من جهة أخرى.

الاستثناء الذي صمد

وبحسب التقرير، فإن الزراعة بقيت لسنوات من القطاعات القليلة التي لم تطلها موجات التحرير الاقتصادي التي عرفتها سوريا في مراحل مختلفة. فحتى عندما بدأ النظام السوري في ثمانينيات القرن الماضي تحرير قطاعات أخرى من الاقتصاد، ظل مترددا في المساس بما وصفه عطاسي بـ"العقد الاجتماعي الريفي".

لكن هذا التوازن بدأ يتآكل في أواخر العقد الأول من الألفية الثانية، عندما ألغت الحكومة في 2008 جزءا كبيرا من الدعم الزراعي، وعلى رأسه دعم الديزل الذي كان يمثل آنذاك 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي.

ووجد المزارعون أنفسهم حينها أمام تكاليف إنتاج أعلى بكثير بعد عقود من الحماية الحكومية.

ثم جاءت الحرب التي اندلعت في 2011 لتسرّع انهيار النظام الزراعي القديم، بعدما فقدت الدولة السيطرة على أجزاء واسعة من حزام القمح السوري، وتفككت شبكات الشراء والتوزيع والتخزين.

وبحلول 2017، انخفض إنتاج القمح إلى أقل من نصف متوسطه قبل الحرب.

أمن غذائي مهدد

ويؤكد التقرير أن قطاع القمح في سوريا لم يستعد عافيته حتى اليوم، فالبلاد تنتج حاليا جزءا محدودا فقط من احتياجاتها، وتعتمد على استيراد ملايين الأطنان سنوياً لتغطية الاستهلاك المحلي.

وبعد موجة جفاف حادة ضربت البلاد في 2025، بلغ إنتاج سوريا نحو 900 ألف طن متري فقط من القمح، أي ما يعادل قرابة 22% من إجمالي 4 ملايين طن متري تقدّرها وزارة الزراعة لتلبية الطلب المحلي.

وفي ظل ارتفاع أسعار الخبز، يواجه أكثر من 7 ملايين سوري مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

كما حذّر كثير من المزارعين من أن الأسعار الحكومية الحالية قد تدفعهم إلى التخلي عن زراعة القمح نهائيا، ما يعني تهديدا مباشرا لمصدر رزقهم من جهة، وللقدرة الغذائية للبلاد من جهة أخرى.

اختبار للحكومة الجديدة

ويرى "المونيتور" أن احتجاجات القمح أعادت طرح سؤال جوهري أمام الحكومة السورية الجديدة: ما الذي ما زالت الدولة مدينة به للريف؟ وهل سيبقى الخبز المدعوم جزءاً من شبكة الأمان الحكومية، أم أن مرحلة إعادة الإعمار ستدفع نحو تقليص هذا الدور؟

وحتى الآن، تبدو الحكومة مدركة لحساسية الملف، فإلى جانب رفع سعر شراء القمح سريعاً، تعهد مسؤولون بإنشاء أكثر من 15 مركز تجميع جديدا في الحسكة والرقة ودير الزور وريف حلب.

ورغم أن هذه الخطوات تبدو محدودة، فإنها تعكس أن الزراعة لا تزال تحتفظ بمكانة إستراتيجية في حسابات القيادة الجديدة.

لكن إعادة بناء نظام شراء القمح الذي تقوده الدولة لن تكون مهمة سهلة، إذ لم تعد الدولة السورية تملك عائدات النفط ولا الإيرادات الخارجية التي موّلت لعقود الدعم الزراعي وضمانات الشراء.

وبحسب التقرير، فإن هذا الواقع عزز أجندة إصلاح أوسع يجري تطبيقها في قطاعات أخرى، تقوم على خفض الإنفاق العام، وتشجيع نمو القطاع الخاص، وتقليص دور الدولة في الاقتصاد.

وفي هذا السياق، نقل "المونيتور" عن جوزيف ضاهر، الخبير الاقتصادي السياسي السوري ومؤلف كتاب "سوريا بعد الانتفاضات"، قوله إن هذه الإصلاحات لا ينبغي النظر إليها على أنها مجرد إجراءات "ضرورية وتكنوقراطية".

وأوضح ضاهر أن القيود المالية حقيقية، لكن طريقة التعامل معها تعكس خيارا سياسيا يتعلق بشكل الدولة واتجاهها الاقتصادي، مضيفاً أن الإصلاحات المطروحة تعبّر عن "توجه سياسي اقتصادي يفضل نموذجاً تجارياً يركز على الربح قصير الأجل، على حساب القطاعات الإنتاجية في سوريا، بما في ذلك الزراعة".