في 27 أكتوبر الجاري، لن يكون السؤال المطروح على الإسرائيليين هو من سيحكم، بل ما الذي سيبقى من إسرائيل التي عرفوها، في انتخابات تاريخية مفصلية. فاتفاقية الدعم العسكري الأميركي الموقعة عام 2016، بقيمة 3.8 مليار دولار سنويًا، تنتهي عام 2028، من دون اتفاق جديد حتى الآن. وفي الكونغرس الأميركي، يتصاعد تيار يرى في نتانياهو "من بدّد فرص السلام وارتكب جرائم حرب في غزة"، ما يجعل التصديق على أيّ اتفاق جديد مسألة يكتنفها الغموض.
وفي أوروبا، لم تعد العقوبات احتمالًا بعيدًا، بل تحولت إلى قرارات متتالية تمنع منتجات المستوطنات، وتهدد إمدادات قطع عسكرية تستوردها إسرائيل من ألمانيا وبلجيكا وإيطاليا.
وفي خضم هذا الضغط المزدوج، يبرز سيناريوهان في الساحة السياسية الانتخابية الإسرائيلية، وفقًا لمختصين تحدثوا إلى منصة "المشهد". الأول هو خسارة نتانياهو، التي قد تفتح الباب أمام إعادة ضبط الأدوات، وربما كبح الاستيطان المتطرف، والانتقال من لغة "النصر المطلق" إلى "إدارة الصراع"، من دون المساس بالعقيدة الأمنية نفسها.
أما السيناريو الثاني، فهو بقاء نتانياهو، الذي لا يعني حماية العلاقة مع واشنطن، بل تعميق تآكلها، إذ تتحول العلاقة الشخصية معه إلى عبء على إسرائيل نفسها، ويصبح الدعم الأميركي ورقة مساومة، لا التزامًا إستراتيجيًا.
وانطلاقًا من هذا المفترق، فإنّ الانتخابات الإسرائيلية المقبلة ليست استحقاقًا داخليًا فحسب، بل اختبار لقدرة الدولة على البقاء في قلب النظام الدولي، في وقت تتصدع فيه الثوابت من 3 جهات: واشنطن وبروكسل وصناديق الاقتراع نفسها.
والسؤال الأثقل لم يعد من سيرث نتانياهو، بل هل يمكن لأيّ خليفة أن يستعيد ما فقده؟
سيناريو خسارة نتانياهو
ما زالت الاستطلاعات في إسرائيل تضع معسكر آيزنكوت عند 56 مقعدًا، مقابل 50 لمعسكر نتانياهو. لكنّ خسارة نتانياهو، إن حدثت، لن تعني بالضرورة تغيير وجه إسرائيل الخارجي، بل إعادة ضبط أدواتها، كما يرى المحلل السياسي إلحنان ميلير، خلال حديثه إلى "المشهد".
واعتبر ميلير أنّ "التغيير سيحدث على مستوى الأدوات، وليس على مستوى الهدف. آيزنكوت ليس سياسيًا يساريًا، بل هو جنرال سابق مثله مثل نتانياهو، يعتقد أنّ حماس تهديد وجودي، وأنّ إيران لا يمكن أن تمتلك سلاحًا نوويًا، وأنّ الدولة الفلسطينية غير قابلة للتحقيق في المستقبل المنظور".
وأضاف: "الفرق الحقيقي يكمن في إدارة الضفة الغربية. حكومة آيزنكوت، على الأرجح، ستتخذ إجراءات لكبح التوسع الاستيطاني المتطرف، والحد من نفوذ سموتريتش وبن غفير، لأنّ هذا النوع من الاستيطان غير المنضبط، يجعل إسرائيل تدفع ثمنًا دبلوماسيًا باهظًا في واشنطن وأوروبا".
وتابع: "قد لا يتوقف البناء تمامًا، لكنّ الفرامل ستُشد. أما في غزة، فسيتحول النهج من النصر الكامل إلى إدارة الصراع، أي الحفاظ على السيطرة الأمنية، مع إدخال تدريجي لسلطة فلسطينية معدلة أو آلية دولية لتولي الإدارة المدنية. بعبارة أخرى، ستصبح إسرائيل أقل استفزازًا على الساحة الدولية، لكنها لن تصبح أكثر ليونة".
وفي قراءة ثانية لملامح الدبلوماسية الإسرائيلية في حال الإطاحة بنتانياهو، يقول الأكاديمي والخبير بالشؤون السياسية يسرائيل حسون، لـ"المشهد"، إنّ "أيّ حكومة مقبلة ستظل رهينة الإجماع اليهودي الرافض للتنازلات الكبرى، وهذا يعني أنّ التغيير المرتقب سيقتصر على الأسلوب، لا على الجوهر".
ويضيف في السياق نفسه: "لا ينبغي المبالغة في تقدير التغيير الذي سيحدثه آيزنكوت، فاستطلاعات الرأي لا تظهر فوزه الساحق، بل تُظهر أن معسكره لا يملك أيضًا 61 مقعدًا. وحتى لو أصبح رئيسًا للوزراء، فإنه سيقود حكومة ائتلافية، وسيضطر إلى التعايش مع أحزاب يمينية".
وأوضح أنّ "التغيير الجوهري في السياسة الخارجية يتطلب إرادة سياسية، والجمهور اليهودي في إسرائيل لا يملك هذه الإرادة. جميع الأحزاب اليهودية تقريبًا، بما في ذلك حزب آيزنكوت نفسه، تعارض إقامة دولة فلسطينية، وتعتبر حرب غزة عادلة وضرورية".
وتابع: "لذلك، حتى لو تغير وجه رئيس الوزراء، فإنّ سياسة إسرائيل تجاه العالم لن تتغير جذريًا. ما سيتغير هو الأسلوب الخطابي، من المواجهة العلنية التي يمثلها نتانياهو إلى أسلوب الجنرال الهادئ الذي يمثله آيزنكوت، الذي يُعد أكثر قبولًا في عيون الأميركيين والأوروبيين".
بقاء نتانياهو في سدة الحكم
قبل 4 أيام من الانتخابات، أقرّ نتانياهو بأنّ الدعم العسكري الأميركي "انتهى، وسينتهي.. إنها مسألة وقت". تصريح كهذا لم يكن مفاجئًا للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، لكنه كشف أنّ إسرائيل بدأت تخطط لسيناريوهات كانت من المحرمات سابقًا.
وفي هذا الشأن، اعتبر المحلل السياسي إلحنان ميلير، في حديثه إلى منصة "المشهد"، أنّ "تصريحات نتانياهو حيال واشنطن هي في جوهرها إدارة للأزمات، وليست تحليلًا إستراتيجيًا. هو يعلم أنّ الدعم العسكري الأميركي سينتهي في 2028، ويعلم أيضًا أنّ التأييد الشعبي الأميركي يتآكل، لكنه قال هذه الكلمات قبل أيام قليلة من الانتخابات".
وأضاف: "الغرض منها هو إرسال إشارتين: أولًا، للناخب اليميني، أنا الوحيد الذي يستطيع الاستعداد مسبّقًا لإسرائيل في عالم بلا دعم أميركي. ثانيًا، لواشنطن، إذا تخلت عني، فأنا مستعد للعمل بشكل مستقل".
وتابع: "لكنّ المشكلة تكمن في أنّ هذا النوع من الاستعداد ليس له حل حقيقي، فالبلوك تشين الذي ذكره لا يمكنه تعويض فجوة القدرات العسكرية. إذا استمر نتانياهو، فإنّ العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ستسلك مسارًا يتسم بالتآكل، من دون أن تصل إلى القطيعة".
وأشار إلى أنّ "الكونغرس سيستمر في الموافقة على بعض المساعدات، لكنّ البيت الأبيض سيزيد من شروطه، وستصبح القيود المفروضة على استخدام الأسلحة أكثر صرامة. نتانياهو سيراهن على الفوضى السياسية الداخلية الأميركية، لكنه لن يكون قادرًا على إصلاح الأساس المتمثل في تآكل الثقة".
رهان نتانياهو على ترامب لم يعد كافيًا، فداخل الإدارة الأميركية نفسها، تتعالى أصوات تطالب بربط المساعدات العسكرية بسلوك إسرائيل في غزة، وهو ما يجعل استمراره مرادفًا لمواجهة أميركية داخلية أعمق.
وبشأن ذلك، أشار الأكاديمي والخبير بالشؤون السياسية يسرائيل حسون، في حديثه إلى "المشهد"، إلى أنّ "نتانياهو راهن بشكل خاطئ على شيء واحد، فقد اعتبر تأييد ترامب الشخصي مساويًا لدعم أميركي غير مشروط".
وأضاف: "لكنّ الحقائق واضحة، فحتى داخل فريق ترامب، هناك انقسامات. نائب الرئيس فانس يدفع باتجاه مراجعة آلية المساعدات العسكرية لإسرائيل، معتبرًا أنّ نتانياهو يستخدم الدعم الأميركي للتحرك أحاديًا، من دون تنسيق مع واشنطن".
وتابع: "هذا يعني أنّ الدعم الذي يتحدث عنه نتانياهو يعتمد في جوهره على مزاج شخص واحد، وهو أمر غير مستقر للغاية. إذا استمر نتانياهو، فإنّ أكبر خطر على العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل لا يكمن في التخلي، بل في الشروط".
وأوضح: "قد تبدأ واشنطن بربط المساعدات العسكرية بسلوك إسرائيل في غزة والضفة الغربية. هذه هي النقطة التي لا يستطيع نتانياهو قبولها، لأنّ قبوله يعني الاعتراف بقيود على حرية العمل الإسرائيلية".
وأكد أنّ "استمرار نتانياهو لا يعني حماية العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، بل يعني مزيدًا من الصدام والتوتر. سيستمر في القول إنّ أميركا تغيرت، لكنه لن يقدم أبدًا أيّ تنازل حقيقي لاستعادة الثقة".
الدعم الأميركي تحت المجهر
اتفاقية الدعم العسكري الأميركي الموقعة عام 2016، بقيمة 3.8 مليار دولار سنويًا، تنتهي عام 2028، من دون اتفاق جديد حتى الآن، وهي حقيقة تمنح تصريح نتانياهو الأخير ثقلًا يتجاوز الحملة الانتخابية.
وفي هذا السياق، يرى الخبير بالشأن الإسرائيلي جهاد حرب، في حديثه إلى "المشهد"، أنّ تصريحات نتانياهو تحمل الوجهين معًا: حقيقة إستراتيجية قائمة، وتوظيفًا انتخابيًا في آنٍ واحد.
ويوضح حرب لـ"المشهد"، أنّ "نتانياهو يحاول استغلال الملف انتخابيًا، عبر تسويق نفسه باعتباره الرجل الأقرب إلى الولايات المتحدة، والقادر على التعامل مع الإدارات الأميركية كما فعل في حملاته السابقة، وكأنّ إعادة انتخابه تضمن استمرار الدعم العسكري".
وأضاف: "لكنّ هذا الأمر قد لا يكون كافيًا إذا ما تبدلت الإدارة الأميركية أو جرى تغيير جوهري في التوازنات داخل الكونغرس، خصوصًا مع وجود نتانياهو الذي يرى فيه الديمقراطيون في الكونغرس من بدّد فرص السلام في الشرق الأوسط، وارتكب أعمالًا ترتقي إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة، وهو ما قد يعوق التوصل إلى اتفاق بشأن الدعم العسكري، أو التصديق عليه، بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية".
ويتزايد التأييد الأميركي للقضية الفلسطينية داخل الكونغرس والرأي العام، فيما لم تعد العلاقة الشخصية مع نتانياهو ورقة رابحة في واشنطن.
ومن هذا المنطلق، يؤكد الخبير بالشأن الإسرائيلي جهاد حرب لـ"المشهد"، أنّ "استمرار نتانياهو سيزيد التعقيدات، ولن يكون مجرد إدارة أزمة كما في السابق".
ويضيف: "هناك شرائح واسعة من الناخبين الأميركيين باتت ترى أنّ التأييد للقضية الفلسطينية أصبح أعلى من التأييد لإسرائيل، وأنّ هذا الموقف يحظى بتأييد متزايد من الجمهور الأميركي، ما سيؤثر على التصويت في الانتخابات الأميركية، ويعني أنّ هناك العديد من أعضاء الكونغرس الذين سيعارضون تحسين العلاقة مع رئيس الحكومة الإسرائيلية، أو يمنعون ذلك، أو يضغطون لمنعه".
ضغوط مضاعفة
وتابع: "وهنا يتوجب التفريق بين إسرائيل ورئيس حكومتها، فقد تحظى إسرائيل برعاية دائمة في الكونغرس الأميركي، لكنّ العلاقة الشخصية مع نتانياهو ستكون لها تأثيرات عكسية على إسرائيل وحكومتها".
وتستورد إسرائيل قطعًا عسكرية من ألمانيا وبلجيكا وإيطاليا، فيما تضع القرارات الأوروبية بمنع منتجات المستوطنات اقتصادها أمام ضغوط مضاعفة.
وفي قراءة الخبير بالشأن الإسرائيلي جهاد حرب لـ"المشهد"، فإنّ "حديث نتانياهو عن البلوك تشين والاستعداد لعقوبات اقتصادية يبقى محدود الأثر ما لم تمتلك إسرائيل بدائل حقيقية على الأرض".
ويضيف: "توجد تخوفات حقيقية في إسرائيل نتيجة التحولات في أوروبا، والعقوبات الاقتصادية التي يمكن أن تُفرض بعد قرارات دول أوروبية بمنع إدخال المنتجات من المستوطنات الإسرائيلية، وكذلك منتجات الداعمين لتلك المستوطنات".
وأوضح أنّ "هذا سيؤثر على الاقتصاد الإسرائيلي وعلى القدرات العسكرية، لأنّ الكثير من القطع المستخدمة في التصنيع العسكري الإسرائيلي تُستورد من دول أوروبية، مثل ألمانيا وبلجيكا وإيطاليا".
وتابع: "نتانياهو تحدث خلال الأيام الماضية عن استدراك الموقف أو إيجاد بدائل للتعامل مع المجتمع الدولي على المستويين الاقتصادي والعسكري، مشيرًا إلى أنّ إسرائيل تحتاج إلى بدائل متعددة، ليس أقلها الدعم الأميركي، وإلى إمكانية تغيير السياسة الإسرائيلية لإعادة علاقاتها مع دول الاتحاد الأوروبي أو تدارك تدهورها".



