فيما تسعى إسرائيل إلى نقل المدنيّين الفلسطينيّين عبر ما يسمى بـ"ممرات آمنة" إلى الحدود مع مصر، من أجل تنفيذ اجتياح بريّ في غزة، في إطار التّصعيد الدائر بينهم وبين حركة حماس، أكدت مصر رفضها هذا المقترح واعتبرته محاولات لتصفية القضية الفلسطينيّة.
نقل جزء من سكان غزة إلى سيناء المصرية ليس وليد الأزمة الحالية، ولكنّه مقترح إسرائيلي بدأ منذ عام 2004 بهدف "تصفية القضية الفلسطينية" وفقا لخبراء، وهو ما رفضته مصر خلال السنوات الماضية، وجددت رفضها له خلال الساعات الأخيرة.
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي حذّر، في خطاب ألقاه أمس خلال الاحتفال بتخريج دفعة جديدة من طلبة الكليات العسكرية، من محاولات تصفية القضية الفلسطينية. وأشار إلى ضرورة بقاء شعب غزة موجودًا في أرضه.
وقال السيسي إنّ مصر تبذل قصارى جهدها لاحتواء التصعيد في الصراع بين إسرائيل وحماس، مضيفًا : "نحاول تخفيف معاناة الشعب الفلسطينيّ في غزة، ولن تنتهي دعواتنا. نتحدث مع جميع الزعماء والمسؤولين".
في الوقت نفسه، خرجت دعوات إسرائيلية على لسان مسؤوليها خلال الأيام الماضية، تطالب المدنيّين الفلسطينيّين باللجوء إلى جنوب قطاع غزة وبالتحديد باتجاه معبر رفح البري على الحدود الفلسطينية المصرية.
أخر تلك الدعوات كانت من خلال منشورات ألقاها الجيش الإسرائيلي على سكان قطاع غزة، صباح اليوم الجمعة، ونشرها أيضًا المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي، إذ طالب سكان غزة بإخلاء منازلهم والتوجه جنوبًا من أجل حمايتهم، والوجود في جنوب وادي غزة.
الحديث عن توفير ممر آمن، جاء أيضًا على لسان مستشار الأمن القوميّ الأميركي، جيك سوليفان، إذ قال إنّ الولايات المتّحدة تُجري محادثات مع مصر وإسرائيل بشأن توفير ممر للمدنيّين في قطاع غزة.
تحذير مصري لإسرائيل
وحذرت مصر في بيان صادر عن وزارة الخارجية، يوم الجمعة، من مطالبة الجيش الإسرائيلي سكان قطاع غزة وممثلي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية في القطاع، بمغادرة منازلهم خلال 24 ساعة والتوجه جنوباً.
وأكدت مصر على أن هذا الإجراء يعد مخالفة جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني، وسوف يعرض حياة أكثر من مليون مواطن فلسطيني وأسرهم لمخاطر البقاء في العراء دون مأوى في مواجهة ظروف إنسانية وأمنية خطيرة وقاسية، فضلاً عن تكدس مئات الآلاف في مناطق غير مؤهلة لاستيعابها.
وطالبت مصر الحكومة الإسرائيلية بالامتناع عن القيام بمثل تلك الخطوات التصعيدية، لما سيكون لها من تبعات خطيرة على الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة. وعلى ضوء ما هو مقرر من إحاطة الأمم المتحدة لمجلس الأمن يوم الجمعة بشأن هذا التطور الخطير، طالبت مصر مجلس الأمن بالاضطلاع بمسئوليته لوقف هذا الإجراء.
ودعت مصر الأمم المتحدة، والأطراف الفاعلة دولياً إلى التدخل للحيلولة دون المزيد من التصعيد غير محسوب العواقب في قطاع غزة.
رفض رسميّ وشعبي
وقال خبراء ومحللون أمنيون مصريون، خلال حديثهم لمنصة وقناة المشهد، إنّ مصر تواصل جهودها من أجل التوصل إلى تهدئة الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، كما تبحث عن التوصل إلى فتح ممر آمن لوصول المساعدات الإنسانية إلى سكان قطاع غزة عبر معبر رفح البري، ولكنها في الوقت نفسه، ترفض بشكل حاسم وقاطع فتح أيّ ممر لدخول المدنيّين إلى الأراضي المصرية.
وقال مدير الشؤون المعنوية بالجيش المصري سابقًا، اللواء سمير فرج، خلال لقاء على قناة المشهد، إنّ مصر ترفض نزوح سكان غزّة إلى سيناء عبر معبر رفع البري، مؤكدًا الرفض الشعبيّ والرئاسيّ والحكوميّ للقرار الذي حاولت إسرائيل وضعه.
وأضاف: "قيام ممر بهدف نزوح سكان غزة إلى سيناء موضوع مرفوض، والهدف منه هو إفراغ مبدأ القضية الفلسطينية من جوهرها، أي أنّ ما يحدث في غزة الهدف منه تصفية القضية الفلسطينية.
ضياع للقضيّة الفلسطينية
من جانبه، قال الخبير الأمنيّ والاستراتيجيّ المصري، الدكتور سمير راغب، إنّ الحديث عن نقل سكّان غزة إلى سيناء، معناه ضياع للقضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أنّ إسرائيل تدفع سكان القطاع دفعًا للتوجه نحو رفح تحت ضغط المعركة.
وأكد راغب في حديث لـ"المشهد"، ضرورة أن تتمّ تهدئة الأوضاع للسماح بدخول المساعدات الإنسانية والموادّ الإغاثية لسكان القطاع، مشيرًا إلى أنّ توفير ممر آمن لخروج الجنسيات الأجنبية من قطاع غزة، أمر ليس لدى مصر تحفّظات عليه، ولكنّ نزوح سكان غزّة إلى سيناء أمر مرفوض.
وأشار إلى ضرورة أن يبقى سكان فلسطين في أراضيهم وليس البحث عن أرض بديلة.
وقال الخبير الأمنيّ والاستراتيجيّ المصري، إنّ قطاع غزة يعاني أزمة عدم توافر غذاء وماء، وبالتالي على المجتمع الدولي الضغط من أجل السماح بوصول إمدادات إغاثة لسكان القطاع.
استعدادات لتقديم مساعدات لسكان قطاع غزة
بدوره، اتفق المحلّل السياسي المصريّ الدكتور أسامة السعيد، مع الطرح السابق، كون توفير ممرات خروج لسكان غزة نحو مصر، هو تصفية للقضية الفلسطينية، مشيرًا أيضا إلى أنّ هذا الأمر مرفوض تمامًا من مصر.
وقال السعيد في حديث لـ"المشهد"، إنّ مصر منذ اللحظة الأولى لتصاعد الأحداث وهي تسعى للتوّصل إلى تهدئة بين الطرفين، لافتًا إلى أنّ الموقف المصريّ يستند إلى وعي كامل لخطورة الوضع في فلسطين.
وأشار إلى أنّ مصر ترى أنّ دعم فلسطين هي مسألة عقيدة وهو ما أشار إليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه، وبالتالي الحديث عن نقل سكان غزة إلى سيناء أمر مرفوض لسببَين:
- النقل معناه تصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل.
- ضرورات الأمن القوميّ المصريّ القائمة على الحفاظ على الأرض المصرية لصالح المصريّين.
وكشف السعيد أنّ مصر دعت دول العالم إلى المشاركة في تقديم مساعدات إغاثية لسكان غزة، وسيتمّ توصيلها إلى القطاع عبر معبر رفح، كما قامت بتجهيز مستشفياتها في العريش والمدن القريبة، من أجل استقبال الجرحى الفلسطينيّين، حين يكون ذلك متاحًا.
وقال منسق الاتصالات الإستراتيجية بمجلس الأمن القومي الأميركي جون كيربي، في تصريحات صحفية اليوم، إن معبر رفح لا يزال مغلقا، مضيفا أن الإدارة الأميركية تحدثت مع الإسرائيليين والمصريين بشأن السماح للناس بالخروج.
من جهته، أوضح السعيد أنّ الحديث عن نقل سكان غزة في جزء من سيناء، أمر ليس جديدًا وبدأ منذ عام 2004، ولكنّ الإدارة المصرية ترى أنّ هذا الأمر مرفوض ولا يمكن تنفيذه.
وأضاف المحلّل السياسي المصري، أنّ الحل الجادّ للقضية الفلسطينية، لا بدّ أن يكون مبنيًا على استعادة أهل فلسطين لأراضيهم المحتلة من إسرائيل، وليس من خلال توفير أراضٍ بديلة.