ينص اتفاق غزة، الذي أعلنه هذا الأسبوع، مجلس السلام التابع للرئيس الأميركي دونالد ترامب، على إلزام "حماس" بتفكيك قدراتها المسلحة، وذلك ضمن إطار أوسع يشمل وقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي، وإنشاء إدارة فلسطينية جديدة في غزة.
ورأت صحيفة "المونيتور" في تحليل لها، أنه إذا ما التزمت "حماس" باتفاق نزع السلاح، فقد تمتد تداعياته إلى ما هو أبعد من الأراضي الفلسطينية، ليصبح بذلك أحد أخطر التحديات التي تواجه إستراتيجية إيران الإقليمية.
بالنسبة لطهران، تكمن الأهمية في مكان آخر: هل يتخلى أحد أقرب شركائها الإقليميين عن المقاومة المسلحة كركيزة أساسية لنفوذها السياسي؟
انهيار إستراتيجية إيران؟
على مدى عقود، بنت إيران إستراتيجيتها للردع الإقليمي حول ما تسميه "محور المقاومة"، وهو شبكة من الجماعات المسلحة تضم "حماس"، و"حزب الله" في لبنان، و"الحوثيين" في اليمن، والميليشيات المتحالفة معها في العراق. وقد مكّنت هذه السياسة طهران من بسط نفوذها خارج حدودها مع الحفاظ على مسافة إستراتيجية من المواجهة المباشرة.
لا يعني قبول "حماس" المعلن للإطار، أنّ الحركة قد سلمت أسلحتها بالفعل. فما زالت هناك تساؤلات جوهرية حول التنفيذ والتحقق، وما إذا كانت إسرائيل ستفي بالتزاماتها.
وتحدث مسؤولون في "حماس" عن مسار طويل وشاق، حيث فضّلت الحركة استخدام لغة تركز على تخزين الأسلحة تحت إشراف فلسطيني بدلا من تسليمها ببساطة.
يعكس هذا التمييز البُعد السياسي الدقيق للقرار. فبالنسبة لـ"حماس"، يُمثل التخلي عن قدراتها المسلحة تحولا تاريخيا بعد عقود من تعريف نفسها كحركة مقاومة.
معضلة طهران
من غير المرجح أن تعترف إيران علنًا بأنّ إستراتيجيتها الإقليمية تتعثر. لكنّ صراعات السنوات الأخيرة كشفت عن حدود هذا النهج، وفقا للصحيفة.
أشعل هجوم "حماس" في 7 أكتوبر 2023 حربًا دمرت غزة، وامتدت آثارها إلى طهران وحلفائها. ورغم نفي إيران توجيهها لعملية "حماس"، اتهم مسؤولون إسرائيليون وأميركيون طهران بدعم الحركة في الهجوم.
منذ ذلك الحين، واجهت إستراتيجية الردع الإيرانية اختبارات مباشرة. فقد شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات على أهداف مرتبطة بإيران، بينما شنت طهران نفسها هجمات صاروخية غير مسبوقة على إسرائيل، قاطعةً بذلك سنوات من المواجهة غير المباشرة.
ونتج عن ذلك بيئة أمنية أكثر تعقيدًا لإيران. فقد أظهرت شبكتها مرونة، لكنّ الافتراض بأنّ الوكلاء قادرون على إلحاق خسائر بالخصوم من دون تعريض إيران لرد فعل قوي، بات من الصعب الحفاظ عليه.
تداعيات بالغة الأهمية
ستكون التداعيات بالغة الأهمية بالنسبة لـ"حزب الله". فعلى عكس "حماس"، يعمل الحزب في دولة ذات سيادة، وله جذور سياسية واجتماعية عميقة في لبنان. لطالما بررت الجماعة احتفاظها بترسانتها باعتبارها ضرورية للدفاع عن لبنان ضد إسرائيل.
لكن بعد الدمار الذي أحدثه الصراع الإسرائيلي الإسرائيلي الأخير، من المرجح أن يُصعّد المعارضون اللبنانيون دعواتهم للجماعة للاندماج الكامل في الدولة والتخلي عن أيّ سلطة عسكرية مستقلة. قد يُعزز اتفاق نزع سلاح "حماس" هذه الحجج.
يمثل "الحوثيون" تحديًا مختلفًا. فقد نمت قوتهم من خلال قدرتهم على تعطيل الطرق البحرية ومواجهة خصومهم الإقليميين. وعلى عكس "حماس"، يسيطرون على أراضٍ ومؤسسات دولة في أجزاء من اليمن، ما يُعقّد علاقتهم مع إيران.
تواجه الميليشيات العراقية الموالية لإيران حسابات أخرى. فقد ازداد نفوذها بشكل ملحوظ منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، لكنّ العديد من العراقيين عارضوا في السنوات الأخيرة تحويل بلادهم إلى ساحة صراع للتنافسات الإقليمية.
بالنسبة لجميع هذه الجماعات، قد يُصبح قرار "حماس" سابقة: قد تبقى المقاومة المسلحة التزامًا أيديولوجيًا، لكنّ البقاء السياسي قد يتطلب التكيف مع الديناميكيات الإقليمية الجديدة.
أرض غير مستقرة لإيران
لا يكمن الخطر الأكبر على طهران بالضرورة في فقدان أحد حلفائها القدرة العسكرية، بل في احتمال تغير المنطق الأوسع وراء إستراتيجيتها الإقليمية.
من المرجح أن تسعى إيران إلى منع هذا المصير للوكلاء المتبقين من خلال الحفاظ على الدعم المالي والعسكري والسياسي. وقد تحاول أيضًا إعادة تعريف "المقاومة" بمفاهيم سياسية أكثر منها عسكرية بحتة، بحسب التحليل.
مع ذلك، يُبرز الاتفاق المحتمل مع "حماس" حقيقة لا يمكن لطهران تجاهلها: فبعد سنوات من الحرب والعقوبات القاسية والمواجهة الإقليمية، قد يُعيد حتى أقرب حلفائها تقييم التوازن بين المقاومة والبقاء.
لذا، قد يعتمد مستقبل إستراتيجية إيران الإقليمية ليس فقط على قدرتها على تسليح حلفائها، بل أيضًا على ما إذا كان هؤلاء الحلفاء لا يزالون يعتقدون أنّ القتال هو السبيل الوحيد للحفاظ على القوة والنفوذ.



