وسارع زعيم "ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي، إلى الدفاع عن تجربة الإطار التنسيقي عبر تصريحات أكد فيها أنّ الإطار مشروع سياسي ناجح، شكّل حاضنة للعملية السياسية، فلماذا التخليّ عنه أو تفكيكه؟ ما يطرح مجموعة من الأسئلة حول مستقبل الإطار التنسيقي في ظل حكومة الزيدي غير المكتملة؟
والإطار التنسيقي هو تحالف سياسي شيعي تأسس عام 2021، لتوحيد مواقف القوى الشيعية الرئيسية في البرلمان العراقي، يضم 12 حزبا أبرزها: تحالف الإعمار والتنمية بزعامة محمد شياع السوداني، وائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي، وتيار الحكمة الوطني بزعامة عمّار الحكيم، إضافة إلى "عصائب أهل الحق" بزعامة قيس الخزعلي الذي أعلن موافقته على تسليم السلاح والانتقال للعمل السياسي.
أما تحالف "الفتح" (يضم فصائل من الحشد الشعبي) بزعامة هادي العامري، وتحالف "العقد" بزعامة رئيس هيئة الحشد الشعبي فالح الفياض، وائتلاف "النصر" بزعامة حيدر العبادي، فكلها تشكيلات سياسية مقرّبة من إيران وتدخل ضمن الأحزاب المكوّنة للإطار التنسيقي. فما هو مصير هذه التحالفات في ظل عاصفة التغيير السياسي التي يقودها الزيدي برعاية أميركية مشروطة بخروجها كافة من المشهد السياسي العراقي؟
ماذا كشفت هواتف المعتقلين؟
وفي ظل استمرار حملة الاعتقالات، تداولت مواقع إعلامية محلية عراقية، أنّ "صولة الفجر" فجرّت انقسامات واسعة داخل الإطار التنسيقي، وبحسب صحف عراقية، فإنّ قادة الإطار اعترضوا على الأسلوب الدرامي الذي اتبعته القوى الأمنية في اعتقال المتهمين وتسريب للصور قبل المحاكمات. لكنّ الزيدي كان مصرًّا على استمرار حملة الاعتقالات.
وكشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد"، أنه من خلال مجريات التحقيق مع المعتقلين، تم تفريغ هواتفهم المحمولة والاطلاع على المكالمات والرسائل الواردة والصادرة، ما أثار قلق قادة الإطار التنسيقي من موجة اعتقالات قادمة قد تطال كبار المسؤولين السياسيين الشيعة.
وأوضحت المصادر، أنّ الإطار التنسيقي بنفوذه السابق وشكله القديم، لن يستمر في الحكومة المقبلة، إنما سيتم إعادة هيكلته ليمثّل الكتلة الشيعية لكن بوجوه جديدة، أبرزها زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر الذي سيعود إلى العملية السياسية لينافس قوى الإطار التقليدية، وسيكون مرحبًّا به على الصعيد الدولي، لأنه على النقيض مع سياسية إيران في العراق.
وأوضحت المصادر أنّ عودة الصدر لن تكون مجرد مشاركة انتخابية فقط، بل ستُعيد صياغة التوازنات داخل الساحة الشيعية، وقد تدفع نحو إعادة تشكيل التحالفات وإعادة تعريف مراكز الثقل السياسي، بالنظر إلى ما يمتلكه التيار الصدري من امتداد جماهيري وقدرة على التأثير في المزاج الانتخابي.
وكان زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، قد انسحب من العملية السياسية في يونيو 2022، بعد أن قدّم نواب كتلته استقالتهم الجماعية من البرلمان العراقي، ثم أعلن الصدر اعتزاله العمل السياسي في أغسطس 2022، لأسباب عدةـ أبرزها رفضه العمل مع قوى الإطار التنسيقي التي اتهمها بالفساد والمحاصصة.
فساد الحملات الانتخابية
وتزامنت تصريحات المالكي عن ضرورة الحفاظ على تجربة الإطار التنسيقي، مع تصريحات قاضي التحقيق في المحكمة المركزية لمكافحة الفساد في العراق، ضياء جعفر، عن تقارير واردة للمحكمة بإنفاق المرشحين للانتخابات البرلمانية مبالغ باهظة لدعم حملاتهم الانتخابية واستغلال موارد الدولة، لتثبيت شخصيات مؤثرة في الحكومات السابقة.
وفي هذا السياق، كشفت مصادر خاصة لمنصة "المشهد"، أنّ القوى السياسية الشيعية تعيش ضغوطا مرتبطة بخيار مزدوج، وهو المحافظة على تماسك الإطار الداخلي من جهة، وكيفية التعامل مع استحقاقات المرحلة المقبلة من جهة أخرى، التي ستشهد فتح ملفات الفساد المرتبطة بتمويل الحملات الانتخابية، ودعم جهات خارجة عن القانون
وعن ذلك يقول المحلل السياسي مكرم القيسي لمنصة "المشهد"، إنه من المعروف أنّ الانتخابات البرلمانية في العراق تُدار بمحورين أساسيين، الأول هو لغة السلاح الذي تمتلكه الفصائل المسلحة، والثاني هو الفساد المالي الذي يستخدمه رؤساء الكتل السياسية لصناعة جمهور زبائني يُدلي بصوته مقابل المال.
ويرى القيسي، أنّ تصريحات القاضي ضياء جعفر تعكس إصرار الحكومة العراقية على فتح ملفات فساد الحملات الانتخابية التي ستطال أيّ ناخب أو حزب استخدم المال العام للوصول إلى السلطة، بما سيُفسح المجال للشخصيات الوطنية للعودة إلى العمل السياسي بعد تقليص رؤوس الأموال السياسية.
وكانت الشبكة الوطنية المراقبة للانتخابات البرلمانية العراقية الماضية، قد كشفت منتصف أكتوبر 2025، عن تصاعد حجم الانتهاكات الانتخابية وتحوّل التنافس الديمقراطي إلى صراع نفوذ مفتوح، تُستخدم فيه أدوات المال العام والعنف المادي، وتُستغل من خلاله مؤسسات الدولة لخدمة أطراف محددة.
الإطار التنسيقي ينتظر رأي واشنطن
ولا تزال حكومة علي فالح الزيدي التي تشكلت في 14 مايو الماضي بـ14 وزيرا، غير مكتملة، حيث تم تأجيل التصويت على بقية الكابينة الوزارية إلى موعد لاحق، ومن ضمنها وزارتا الداخلية والتعليم العالي وهما من حصة الإطار التنسيقي، الذي أعلن موخرا تأجيل حسم الحقائب الوزارية الشاغرة، لحين عودة الزيدي من واشنطن في ظل استمرار الخلافات السياسية حول أسماء المرشحين.
وعن ذلك يقول الباحث في الشأن السياسي وائل الركابي، لمنصة "المشهد"، إنّ سبب تأجيل التصويت على الحقائب الوزارية، يعود للعطلة التشريعية للبرلمان، كما أنّ البعض وجد أنه من الأفضل الانتظار لعودة الزيدي من واشنطن والاستماع للرأي الأميركي حول العراق، لذلك فضّلوا الانتظار لحين ذهابه وعودته.
وأكد الركابي، أنّ الزيدي لا يسعى لتفكيك الإطار التنسيقي، على العكس تماما، هنالك علاقة متينة بينه وبين قوى الإطار التنسيقي، كما أنه بعد أن شكلت الكتلة السنية إطارا وطنيا سنيا على غرار الإطار التنسيقي الشيعي، أصبح من الصعب تفكيك الإطار أو إلغاؤه.
وفي هذا السياق، يقول المحلل السياسي ياسين عزيز، لمنصة "المشهد"، إنّ قوى الإطار التنسيقي غير متفقة على آلية استكمال الكابينة الحكومية، خصوصا أنّ هناك خلافات حول الشخصيات التي يمكن ترشيحها في ظل الفيتو الأميركي الرافض لأيّ شخصية تابعة للفصائل المسلحة، لذلك التوجه الآن هو انتظار زيارة الزيدي إلى واشنطن المتوقعة خلال الأسبوع المقبل، وبناءً عليها، سيتم التخطيط لاستكمال الكابينة الوزارية.
ويرى عزيز أنّ الزيدي لا يفكر بتفكيك الإطار التنسيقي خصوصا في هذه المرحلة، لكن هناك أفكار و طروحات لإعادة هيكلة قادته واحتساب نقاط لأطراف داخله مقابل أطراف أخرى، لأنّ الحاجة لوجوده في هذه المرحلة أكبر من الحاجة لتفكيكه.